اليافعي يكتب: عقلية 1994.. مصنع التناقضات تجاه الجنوب

ياسر اليافعي
لا تزال كثير من القوى والنخب السياسية والإعلامية الشمالية، حتى اليوم، عالقة ذهنيًا في لحظة انتصار حرب صيف 1994، وكأن اليمن لم يشهد منذ ذلك التاريخ تحولات كبرى غيّرت موازين القوة، وبدّلت الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي بشكل جذري.
المشكلة أن الخطاب الذي سبق حرب 1994، بما حمله من تعبئة إعلامية ودينية وسياسية ضد الجنوب، لم ينتهِ بانتهاء الحرب، بل بقي حاضرًا في الوعي السياسي والإعلامي لدى قطاعات واسعة من تلك النخب. ولذلك نرى تناقضًا واضحًا في مواقفها كلما تعلق الأمر بالجنوب أو بقواته أو بمشروعه السياسي.
أمثلة على التناقض
خذوا مثلًا ما حدث في وادي حضرموت.
عندما انتشرت القوات الجنوبية في مناطق جنوبية، قيل إنها «قوات غريبة» ووصفت تحركاتها بأنها احتلال، رغم أنها كانت تنتشر في أرض جنوبية وبين مجتمعات جنوبية، وفي إطار تأمين مناطقها وخدمة المعركة الكبرى ضد مليشيا الحوثي.
أما اليوم، عندما تقاتل القوات نفسها في جبهات شمالية وتدفع أثمانًا بشرية كبيرة، تحولت فجأة في خطابهم إلى قوة وطنية، وأصبحوا يشيدون بها وبطولاتها.
وهنا يظهر التناقض بوضوح: كيف تكون هذه القوات “غريبة” في حضرموت، لكنها “وطنية” عندما تقاتل في الشمال؟
المثال الآخر أكثر وضوحًا.
بعد أحداث يناير، تفاخر وزير الدفاع في حكومة ما يسمى “الشرعية” بإخراج أبناء الضالع وردفان من حضرموت، وفصلهم من لواء بارشيد رغم تقديمهم تضحيات في محاربة الإرهاب هناك، وجرى التعامل معهم وكأنهم غرباء عن أرضهم.
واليوم، الوزير نفسه يزور الضالع بهدف الدفع بشبابها للقتال في جبهات الشمال.
فكيف يصبح أبناء الجنوب غرباء عندما يتحركون داخل الجنوب، ثم يصبحون مطلوبين عندما تكون المعركة في الشمال؟
الإعلام والشهرة على حساب الجنوب
هذا التناقض لا يقتصر على المؤسسة السياسية والعسكرية، بل يمتد إلى الخطاب الإعلامي أيضًا.
لسنوات طويلة، كان يكفي أن يظهر إعلامي أو ناشط يهاجم الجنوب أو قواته أو المجلس الانتقالي حتى يُقدَّم من قبل نخب الشمال باعتباره صاحب موقف شجاع أو صوتًا وطنيًا، بصرف النظر عن كونه داعشياً أو إرهابياً أو حوثياً أو أمياً لا يفقه شيئاً.
والمفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن بعض الفاشلين والمنبوذين في الجنوب اكتشفوا أن أقصر طريق إلى الشهرة يمر عبر مهاجمة الجنوب وقضيته وقواته. يكفي أن يرفع أحدهم شعار “اليمن الكبير” حتى يجد لنفسه سوقًا رائجة لدى الأوساط الشمالية.
وهكذا يتحول صاحب الصوت الهامشي، بمجرد مهاجمته للجنوب، إلى “رمز وطني” و “صوت شجاع”، بينما تُشيطن في المقابل أصوات جنوبية عاقلة ومتعلمة، تمتلك فكرًا ورؤية سياسية، ويمكن الوصول معها إلى تفاهمات حقيقية لمعالجة جوهر المشكلة.
الخلاصة
هذه مجرد أمثلة حديثة، أما التناقضات في الخطاب والمواقف تجاه الجنوب فهي أكبر من أن تُحصَر في مقال واحد.
لكنها تكشف مشكلة أعمق: أن النخب الشمالية لم تخرج بعد من ذهنية 1994، ولم تستوعب التحولات التي شهدتها البلاد، ولا التجربة التي مر بها الجنوب، ولا حجم التغير في إرادته السياسية والاجتماعية.
كما أن البعض يتعامل مع الوحدة وكأنها نص جامد لا يتأثر بما حدث بعدها، متناسيًا أن الوحدة في الأصل كانت مشروع شراكة، ولها أسس سياسية ومؤسساتية وثقة متبادلة لم تعد موجودة.
الثقة لا تنهار بسبب الشعارات، بل بسبب التجارب المتراكمة والمواقف المتناقضة والأخطاء التي لم تتم مراجعتها حتى اليوم.
ومن يريد استعادة الثقة، عليه أولًا أن يراجع هذه التجربة بصدق، وأن يدرك أن الجنوب اليوم ليس جنوب 1994، وأن اليمن كلها لم تعد يمن 1994.