اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

عندما تصبح الجبهات فخًّا.. الغدر الشمالي خطر يهدد القوى الجنوبية

في خضم الحرب اليمنية الممتدة، لم تعد المخاطر التي تواجه القوى الجنوبية محصورة في المواجهات العسكرية المباشرة مع جماعة الحوثيين، بل باتت المخاوف تتسع لتشمل ما يمكن وصفه بمخاطر الغدر السياسي والعسكري من داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصًا عندما تُدفع القوات الجنوبية إلى جبهات بعيدة عن أرضها، في ظل تعدد مراكز القرار وتضارب المصالح والأجندات.
لقد دفعت القوات الجنوبية، خلال السنوات الماضية، ثمنًا باهظًا في معارك متعددة، وقدمت أعدادًا كبيرة من الشهداء والجرحى، بينما ظلت القضية الجنوبية نفسها تبحث عن موقع واضح في المعادلة السياسية والعسكرية. ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة حول جدوى استمرار الزج بالقوى الجنوبية في معارك لا ترتبط بصورة مباشرة بحماية مدنها وأراضيها، وحول الضمانات التي تمنع تكرار سيناريوهات الماضي التي شهدت انهيارات وتحولات مفاجئة في التحالفات والمواقف.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في رصاصة تأتي من جبهة معادية، وإنما في أن يجد المقاتل نفسه أمام ترتيبات سياسية وعسكرية لم يكن طرفًا في صياغتها، أو أن تتحول مشاركته في المعركة إلى وسيلة لاستنزاف قوته وإبعاده عن مناطق نفوذه، ثم يُترك أمام واقع جديد لا يخدم مصالحه ولا يحمي مكتسباته.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل المطلوب من القوات الجنوبية أن تقاتل بلا حدود جغرافية وسياسية واضحة، أم أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الجنوب وتأمين أراضيه ومؤسساته وسكانه؟
إن التجارب السابقة تجعل الحذر ضرورة، خصوصًا في بيئة سياسية تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية مع الحسابات المحلية. فالقوة العسكرية التي تُستنزف بعيدًا عن مناطقها تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية جبهتها الأساسية، بينما تستفيد أطراف أخرى من وجودها في معارك خارج نطاق أولوياتها.
ولا يعني ذلك، بالضرورة، رفض مواجهة الحوثيين أو التخلي عن المعركة ضد المشروع الذي يهدد اليمن والمنطقة، وإنما يعني أن المشاركة العسكرية يجب أن تكون قائمة على رؤية واضحة، وقرار جنوبي مسؤول، وضمانات سياسية وعسكرية حقيقية، بحيث لا تتحول التضحيات إلى رصيد مجاني في حسابات الآخرين.
كما أن أخطر ما يمكن أن تواجهه القوى الجنوبية هو الانقسام الداخلي. فكلما نجحت الأطراف المختلفة في جرّ القوات الجنوبية إلى خلافات جانبية أو صراعات داخلية، أصبحت الجبهة الجنوبية أكثر هشاشة، وأصبح من السهل استنزاف قدراتها بعيدًا عن أهدافها الأساسية.
ولهذا فإن حماية القوات الجنوبية لا تبدأ من المتاريس فقط، وإنما تبدأ من وحدة الصف، ووضوح القرار، ورفض تحويل المقاتلين إلى أدوات في صراعات لا يعرفون نهايتها. فالجنوب الذي دفع ثمنًا كبيرًا خلال الحروب السابقة لا يستطيع أن يسمح بتكرار الأخطاء نفسها تحت عناوين جديدة.
إن الحديث عن “الغدر الشمالي” ينبغي أن يُفهم سياسيًا وعسكريًا بوصفه تحذيرًا من تكرار أنماط تاريخية من الصراع والخذلان، وليس حكمًا على جميع أبناء الشمال؛ فهناك مواطنون وقوى سياسية وعسكرية شمالية تختلف مواقفها جذريًا، ولا يصح تحميل الجميع مسؤولية ممارسات أطراف محددة.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن انعدام الثقة بين القوى الجنوبية وبعض القوى الشمالية له جذور تاريخية وسياسية عميقة، وأن معالجة هذه المشكلة تتطلب ضمانات واضحة لا مجرد شعارات عن الشراكة والوحدة.
القوات الجنوبية اليوم أمام معادلة دقيقة: فهي مطالبة بمواجهة التهديدات العسكرية، وفي الوقت ذاته مطالبة بالحفاظ على قدرتها على حماية الجنوب. وهذه المعادلة لا يمكن حلها بالاندفاع غير المحسوب إلى الجبهات، وإنما من خلال تحديد الأولويات، ووضع قواعد واضحة للمشاركة العسكرية، وضمان عدم استخدام القوة الجنوبية في مشاريع سياسية لا تحظى بتوافق جنوبي.
فالجنوب ليس مجرد قوة بشرية يمكن استدعاؤها عند الحاجة ثم تجاهل مطالبها عندما تنتهي المعارك. وأبناء الجنوب الذين يحملون السلاح في الجبهات يحملون معهم قضية وتاريخًا وتضحيات، ومن حقهم أن يعرفوا: لماذا يقاتلون؟ ولمن؟ وما هي الضمانات التي تحمي مستقبلهم ومستقبل مناطقهم؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما بالسياسة أيضًا. ومن يملك القوة العسكرية ولا يملك رؤية سياسية واضحة قد يجد نفسه بعد سنوات من القتال أمام نتائج لم تكن في حساباته. ولذلك فإن الحفاظ على القوات الجنوبية يتطلب الحفاظ على القرار السياسي المرتبط بها، وعدم السماح بتحويلها إلى ورقة قابلة للاستخدام في أي لحظة ثم الاستغناء عنها عند تغير الحسابات.
وفي المقابل، فإن القوى الجنوبية مطالبة أيضًا بأن تكون أكثر انفتاحًا على العمل السياسي، وأكثر قدرة على بناء تفاهمات تحمي مصالحها، لأن المواجهة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة مستقبل مستقر. فالقوة العسكرية ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع سياسي واضح، لا بديلًا عنه.
إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى جميع الأطراف هي أن دماء المقاتلين ليست مادة للمساومات، وأن الشهداء الذين يسقطون في الجبهات لا ينبغي أن يتحولوا إلى أرقام في بيانات عسكرية عابرة. كل شهيد خلفه أسرة، وكل جريح خلفه مستقبل، وكل مقاتل يذهب إلى الجبهة يستحق أن يعرف أن تضحياته لن تُستخدم ضد قضيته أو ضد أهله.
ومن هنا فإن الحذر من أي ترتيبات عسكرية غامضة، أو تحركات تستنزف القوى الجنوبية بعيدًا عن مناطقها، ليس ترفًا سياسيًا، بل مسؤولية تفرضها تجارب الماضي. وفي الوقت ذاته، فإن مواجهة الحوثيين تظل قضية أمنية وعسكرية لا يمكن تجاهلها، لكن نجاحها يحتاج إلى شراكة حقيقية قائمة على المصالح المتبادلة والضمانات والوضوح، لا على تحميل طرف واحد الجزء الأكبر من كلفة الحرب.
إن الجنوب لا يحتاج إلى حرب جديدة بين أبنائه، ولا إلى صراع مفتوح مع أبناء الشمال، وإنما يحتاج إلى حماية قواته وتوحيد صفوفه وبناء موقف سياسي واضح يحفظ حقوقه ومصالحه. أما تحويل الجبهات إلى ساحات لاستنزاف القوى الجنوبية، أو دفعها إلى مواقع لا تملك فيها ضمانات سياسية وعسكرية كافية، فهو مسار يحمل مخاطر كبيرة على الجميع.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للقوى الجنوبية ليس أن تخسر معركة عسكرية، وإنما أن تنتصر في معارك كثيرة ثم تكتشف أنها خسرت قدرتها على حماية قرارها ومصالحها. ولهذا فإن الوعي السياسي، ووحدة الصف، وحماية القوات من الاستنزاف، والتمسك بقرار واضح، يجب أن تكون خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها.
فالقوة الجنوبية التي صنعتها التضحيات لا ينبغي أن تكون وقودًا لمعارك الآخرين، والدم الجنوبي يجب أن يكون من أجل حماية الأرض والإنسان والمستقبل، لا ورقة في حسابات تتغير بتغير المصالح. ومن هنا يبدأ الطريق نحو معادلة أكثر توازنًا: مواجهة التهديدات، مع حماية القرار الجنوبي، ومنع تكرار أخطاء الماضي، وإغلاق الطريق أمام أي محاولة لتحويل الجبهات إلى فخ سياسي أو عسكري للقوى الجنوبية.
زر الذهاب إلى الأعلى