حين يشح الدولار.. إيران تقدم احتياجات الحرس على اقتصادها المدني

النقابي الجنوبي/إرم نيوز
يتجه توزيع النقد الأجنبي في إيران نحو إعطاء أولوية أكبر للمؤسسات العسكرية والأمنية المرتبطة بالحرس الثوري، وفق مصادر إيرانية معارضة على صلة بدوائر حكومية وأمنية، في وقت تتقلص فيه الموارد المتاحة للاستيراد المدني وتتعرض القنوات الخارجية التي تعتمد عليها طهران لضغوط متزايدة.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تشديد الولايات المتحدة حصارها المالي والتجاري على إيران. فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، الثلاثاء 8 سبتمبر/أيلول، عقوبات على 36 هدفًا مرتبطًا بقطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران، إلى جانب شركات واجهة ووسطاء أجانب ومسارات لإعادة الشحن. كما أصدرت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية تحذيرًا للمؤسسات المالية بشأن شبكات المشتريات المرتبطة بقطاع الطيران الإيراني.
النقد الأجنبي تحت أولوية الأمن
وكشفت مصادر إيرانية معارضة، على تواصل مع دوائر حكومية وأمنية، لـ”إرم نيوز”، أن مراكز القرار في طهران تمنح خلال الأيام الأخيرة وزنًا أكبر للاحتياجات العسكرية والأمنية عند توزيع العملات الأجنبية المتاحة، بالتزامن مع انكماش الحصة التي تستطيع حكومة مسعود بزشكيان تخصيصها للاستيراد المدني والقطاع الخاص.
وبحسب المصادر، يرتبط هذا الاتجاه بالدور المتنامي لقيادة الحرس الثوري في تحديد الاحتياجات المرتبطة بالحرب، إلى جانب اتساع حضور المجلس الأعلى للأمن القومي في ترتيب الملفات التي تحظى بالأولوية.
وتقول المصادر إن أطرافًا داخل دوائر الحكم ومحيط الحرس تدفع باتجاه حماية المخصصات الموجهة للمؤسسات العسكرية والأمنية من أي خفض جديد، بينما يتركز أثر نقص النقد الأجنبي بصورة أكبر على الشركات الخاصة والقطاعات المدنية التي تعتمد على المواد الأولية والمكونات المستوردة.
وتضيف أن بعض المستوردين يواجهون صعوبة متزايدة في الوصول إلى العملات عبر المسارات التي يشرف عليها البنك المركزي، في حين تحصل الملفات التي تمنحها الأجهزة الأمنية صفة ”استراتيجية“ أو ”عاجلة“ على ترتيب أعلى في تخصيص الموارد المتاحة.
وبذلك يدور الخلاف داخل دوائر القرار، وفق هذه المصادر، حول كيفية توزيع ما تبقى من العملة الأجنبية بين احتياجات السوق المدنية ومتطلبات المؤسسات المرتبطة بالحرب، مع تمسك دوائر قريبة من الحرس بالحفاظ على مخصصاتها الأساسية، في وقت تواجه فيه وزارة الاقتصاد والبنك المركزي ضغوطًا لتغطية احتياجات الاستيراد.
الحرب تدخل حسابات العملة الصعبة
وتشير المصادر إلى أن المجلس الأعلى للأمن القومي أصبح أكثر حضورًا في تحديد الأولويات الاقتصادية المرتبطة بالحرب، وهو ما يعكس اتساع الدور الأمني في إدارة الموارد النادرة.
وتعتقد شخصيات حكومية، وفق المصادر نفسها، أن استمرار هذا النهج قد يزيد الضغط على واردات المواد الأولية والسلع المدنية خلال الفترة المقبلة.
وتتزامن هذه الضغوط الداخلية مع تقلص قدرة إيران على استخدام القنوات المالية التقليدية. وكشفت ”فايننشال تايمز“، الأربعاء، أن البنك المركزي الإيراني خفف بعض القيود المتعلقة بإعادة حصيلة الصادرات، وفتح مجالًا أوسع للتسويات المباشرة وتمويل الواردات من العائدات الخارجية واستخدام العملات الرقمية، في مؤشر على اتساع الحاجة إلى بدائل للقنوات المالية المعتادة.
وتأتي هذه الإجراءات بينما تكثف واشنطن استهدافها لشبكات التمويل والتجارة التي تستخدمها طهران خارج حدودها.
فالعقوبات الأمريكية الأخيرة لم تقتصر على شركات إيرانية، وإنما شملت شركات ووسطاء في دول ثالثة اتهمتهم وزارة الخزانة بالمساعدة في تشغيل شركات الطيران الإيرانية أو تمكينها من الحصول على طائرات وتقنيات أمريكية المنشأ. كما حذرت المؤسسات المالية من شبكات المشتريات المرتبطة بقطاع الطيران الإيراني.
العقوبات تضيق مسارات التمويل
وتستهدف الضغوط الأمريكية بصورة متزايدة البنية الخارجية التي تعتمد عليها إيران للالتفاف على القيود المالية، من شركات الواجهة إلى الوسطاء وخدمات الشحن والتسويات.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن إجراءات الثلاثاء استهدفت 36 جهة مرتبطة بقطاع الطيران، بينها 27 شركة طيران إيرانية، إضافة إلى جهات في دول أخرى، كما علقت ثلاثة تراخيص مرتبطة بقطاع الطيران الإيراني. واعتبرت واشنطن أن هذه الشبكات توفر للنظام قنوات للحصول على الطائرات والتقنيات الحساسة.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن أزمة النقد الأجنبي الإيرانية لا تتعلق فقط بحجم الموارد المتاحة، وإنما أيضًا بارتفاع كلفة الوصول إليها، وتراجع قدرة المؤسسات الإيرانية على استخدام النظام المالي العالمي بصورة مباشرة.
وتقول قراءة اقتصادية نشرتها ”فايننشال تايمز“ إن لجوء البنك المركزي إلى تسهيلات تشمل التسويات المباشرة والعملات الرقمية يأتي في وقت تواجه فيه إيران صعوبة متزايدة في التعامل عبر القنوات المالية التقليدية.
ويرى الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية، كورنيليوس أديبار، خلال حديث لـ”إرم نيوز”، أن الاعتماد المتزايد على القنوات الموازية يعكس تضييق الخيارات المتاحة أمام النظام، مع فقدان المؤسسات التقليدية جزءًا من قدرتها على الوصول المباشر إلى الأسواق والخدمات المالية، وارتفاع تكلفة الوساطة والمخاطر القانونية على الجهات المتعاملة مع إيران.
ويشرح أديبار أن توسيع العقوبات ليشمل شركات الواجهة ومقدمي الخدمات خارج إيران يرفع احتمالات تعطل هذه المسارات تباعًا، ويزيد الضغط على الحرس الثوري والنظام في تأمين المكونات والتمويل اللازمين لاستمرار نشاطهما العسكري والأمني.
من يدفع كلفة شح الموارد؟
المعادلة التي تفرض نفسها داخل الاقتصاد الإيراني هي أن العقوبات تقلص الموارد والقنوات المتاحة في الوقت نفسه الذي تتنافس فيه القطاعات المختلفة على النقد الأجنبي.
وإذا صحت إفادات المصادر الإيرانية بشأن منح الملفات العسكرية والأمنية ترتيبًا أعلى، فإن أثر الأزمة لن يتوزع بالتساوي بين مؤسسات الدولة والاقتصاد المدني. وستجد الشركات التي تعتمد على الاستيراد نفسها أمام موارد أقل ومسارات أكثر تعقيدًا للوصول إلى العملة، بينما تحاول المؤسسات المرتبطة بالحرب حماية احتياجاتها من أي خفض جديد.
لكن العقوبات وحدها لا تثبت وجود قرار إيراني رسمي بإعطاء الحرس الثوري الأولوية في توزيع النقد الأجنبي؛ هذه الجزئية تستند في المسودة إلى مصادر معارضة مجهلة، فيما تؤكد المعطيات المتاحة بصورة أوضح اتساع الضغوط على موارد إيران وقنواتها المالية والتجارية.
وهنا تكمن أهمية التحول الجاري: فمع تضييق واشنطن القنوات الخارجية، تصبح معركة توزيع الموارد داخل إيران أكثر حدة، ويصبح السؤال الاقتصادي مرتبطًا مباشرة بالأولوية التي يمنحها النظام للملفات العسكرية والأمنية مقارنة باحتياجات السوق المدنية.