من الثقة إلى القطيعة السياسية: كيف هدمت السعودية رصيدها في الجنوب؟

معاذ فيزان جعفر
لم يكن رفع العلم السعودي إلى جانب العلم الجنوبي داخل المقر الرئيسي لـالمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن مشهدًا عابرًا، كما لم يكن غياب العلم الإماراتي، رغم الدعم الإماراتي الكبير الذي حظي به المجلس والقوات الجنوبية، مفارقة بلا دلالة.
كان ذلك في جانب منه تعبيرًا عن تصور سياسي وقومي أوسع؛ فالسعودية، بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي ومكانة إقليمية، كانت تحظى لدى قطاعات واسعة في الجنوب بمساحة خاصة من الاحترام والثقة. وكان الاعتقاد أن الرياض يمكن أن تكون شريكًا عربيًا يفهم تعقيدات القضية الجنوبية، ويحترم تضحيات الجنوبيين، ويتعامل مع تطلعاتهم باعتبارها قضية سياسية حقيقية وليست مجرد ورقة تفاوضية.
ولهذا لم يكن رفع العلم السعودي نفاقًا، ولا تنكرًا للدعم الإماراتي، وإنما كان رسالة سياسية واضحة: نحن عرب، وننظر إلى المملكة باعتبارها دولة شقيقة ذات مكانة، ونريد علاقة تقوم على الاحترام والمصالح المشتركة.
لكن السياسة، كما التاريخ، لا تُقاس بالنوايا وحدها، وإنما بالنتائج.
عندما تتحول الثقة إلى جرح
من أكثر اللحظات إيلامًا في الذاكرة السياسية الجنوبية أن تتحول دولة كان يُنظر إليها بوصفها شقيقة وذات مكانة خاصة إلى طرف يستخدم القوة الجوية ضد قوات جنوبية، وقوى سياسية جنوبية، في لحظة كان يفترض فيها أن تكون لغة الحوار هي الخيار الأول والأخير.
فالخلاف السياسي، مهما بلغ، لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة عسكرية بين أطراف يفترض أنها تقف في خندق واحد ضد التهديدات الكبرى التي تواجه المنطقة.
والسؤال الذي سيظل حاضرًا في الذاكرة الجنوبية هو: كيف انتقل المشهد من رفع العلم السعودي في عدن إلى سقوط القنابل على مواقع القوات الجنوبية؟
إنها ليست مجرد مفارقة سياسية، بل أزمة ثقة عميقة.
فالجنوب لم يكن ينظر إلى المملكة باعتبارها دولة أجنبية بعيدة، بل باعتبارها جزءًا من محيطه العربي والإسلامي والجغرافي. ولهذا تحديدًا كانت الصدمة أكبر، وكان أثرها السياسي أعمق.
القوات الجنوبية ليست مجرد تشكيلات عسكرية
من الخطأ اختزال القوات الجنوبية التي تشكلت خلال سنوات الحرب في كونها مجرد وحدات عسكرية يمكن إعادة ترتيبها بقرار سياسي.
هذه القوات نشأت في ظروف استثنائية، وخاضت معارك قاسية ضد جماعة الحوثي والتنظيمات الإرهابية، وقدمت تضحيات بشرية كبيرة، وأصبحت جزءًا من المعادلة الأمنية والعسكرية في الجنوب.
وبغض النظر عن الاختلاف السياسي حول المجلس الانتقالي الجنوبي أو حول شكل الدولة اليمنية ومستقبلها، فإن التعامل مع هذه القوات بمنطق الإلغاء أو الإكراه العسكري لا يمكن أن ينتج استقرارًا دائمًا.
القوة قد تفرض الصمت مؤقتًا، لكنها لا تصنع القناعة.
والسياسة التي تتجاهل الحقائق على الأرض، وتحاول إعادة تشكيلها بالقوة، غالبًا ما تدفع ثمنًا سياسيًا أكبر مما تتوقع.
المشكلة ليست في السعودية كدولة
ومن المهم هنا التفريق بين السعودية كدولة وشعب ومكانة عربية وإسلامية، وبين سياسات وقرارات حكومات أو مسؤولين في لحظة سياسية محددة.
النقد السياسي لا يعني العداء للشعب السعودي، ولا يعني إنكار الروابط التاريخية والجغرافية والاجتماعية بين الجنوب والمملكة.
بل على العكس، فإن انتقاد السياسة السعودية ينبع في جوهره من حجم التوقعات التي كانت موجودة تجاه المملكة.
فلو لم تكن هناك ثقة، لما كان هناك هذا القدر من خيبة الأمل.
ولو لم تكن هناك مكانة خاصة للمملكة في الوعي الجنوبي، لما كان التراجع في العلاقة بهذه القسوة.
أخطر ما خسرته الرياض هو رصيد الثقة
الدول تستطيع أن تعيد بناء التحالفات، وأن تعقد الاتفاقيات، وأن تغير المواقف السياسية، لكن الثقة الشعبية والسياسية أصعب بكثير في استعادتها عندما تتعرض للكسر.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالمملكة ربما تستطيع أن تعيد ترتيب علاقتها مع القوى السياسية، وأن تفتح قنوات تفاوض جديدة، وأن تستخدم نفوذها السياسي والاقتصادي لإعادة بناء التفاهمات.
لكن إعادة بناء الصورة الذهنية التي تشكلت لدى قطاعات من الجنوبيين خلال سنوات طويلة تحتاج إلى أكثر من البيانات والاتفاقيات.
تحتاج إلى مراجعة سياسية هادئة، والاعتراف بأن بعض السياسات لم تحقق النتائج التي كان يُراد لها تحقيقها.
الجنوب لا يبحث عن عدو جديد
ومن المهم التأكيد أن الجنوب، في جوهر قضيته السياسية، لا يحتاج إلى صناعة خصومة مع السعودية أو الإمارات أو أي دولة عربية أخرى.
القضية الجنوبية تحتاج إلى اعتراف سياسي وحوار جاد وضمانات حقيقية، لا إلى فتح جبهات جديدة.
والجنوب الذي قاتل الإرهاب والحوثيين، وقدم آلاف التضحيات، لا ينبغي أن يُعامل باعتباره مشكلة يجب احتواؤها، بل باعتباره طرفًا سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا له مصالح وتطلعات وحقوق سياسية يجب أن تكون حاضرة في أي تسوية مستقبلية.
كما أن أمن المملكة نفسها لن يتحقق بإضعاف القوى الجنوبية التي تقف في مواجهة خصومها على الأرض، وإنما ببناء علاقة متوازنة معها تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
السياسة الحكيمة تبدأ من الاعتراف بالخطأ
اليوم، وبعد كل ما حدث، ربما تحتاج الرياض إلى سؤال نفسها بصراحة:
هل نجحت سياسة الضغط العسكري والسياسي في بناء الثقة؟
هل استطاعت تلك السياسات إنهاء القضية الجنوبية؟
هل أدت المواجهات إلى إضعاف القوى الجنوبية، أم أنها عمقت القناعة لدى قطاعات واسعة بأن مستقبل الجنوب يجب أن يُبنى بإرادة أبنائه؟
هذه أسئلة سياسية وليست شعارات.
والدول الكبيرة لا تخسر عندما تعترف بأن بعض حساباتها لم تكن دقيقة؛ بل تكبر عندما تراجع سياساتها وتصحح مسارها.
من رفع العلم إلى إعادة بناء العلاقة
قد يبدو مشهد العلم السعودي في مقر المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم جزءًا من الماضي، لكنه يحمل دلالة سياسية مهمة.
فذلك العلم لم يكن مجرد قطعة قماش مرفوعة على مبنى.
كان تعبيرًا عن ثقة.
والثقة التي كانت موجودة يمكن أن تُستعاد، لكن ليس بالضغط، ولا بالقوة، ولا بمحاولات فرض الوصاية السياسية.
يمكن استعادتها فقط من خلال سياسة جديدة تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل، والاعتراف بأن الجنوب ليس ساحة نفوذ لأحد، وأن أبناءه يمتلكون حقًا أصيلًا في تقرير مستقبلهم السياسي عبر الوسائل السلمية والسياسية التي يختارونها.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي دولة في علاقتها مع شعب أو حركة سياسية هو أن تجعل حليف الأمس يشعر بأنه أصبح خصم اليوم.
وهنا تحديدًا تكمن مسؤولية السياسة السعودية.
فالأحداث لا تمحوها البيانات، والذاكرة السياسية لا تُعاد صياغتها بسهولة.
فالسياسة الذكية لا تسأل: كيف أُخضع خصمي؟
بل تسأل: كيف أحافظ على مصالح بلادي دون أن أخسر من كان يمكن أن يكون شريكًا وحليفًا؟
وهذه هي المراجعة التي تحتاجها المرحلة.