اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الجيش الجنوبي في ذكراه الـ55 تاريخ يُستلهم لمعارك الحاضر وتحديات استعادة الدولة

النقابي الجنوبي/ يحيى أحمد

استحضاراً للتاريخ، وتجديداً للعهد والسيادة، واستنهاضاً للروح الوطنية لشعبنا الجنوبي في أسمى صور تجليها، نحيي الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، وقراءةً للتاريخ العسكري الجنوبي الذي صاغ بدماء الشهداء وعرق الأبطال حدود الجغرافيا، ومهابة القرار، وحماية الهوية والسيادة الجنوبية.

فالشعوب التي تقدس تاريخها العسكري وتعتز بجيوشها هي شعوب غير قابلة للانكسار، وتملك دوماً مقومات النهوض والسيادة مهما بلغت عواتق الزمان.

المسيرة التاريخية للجيش الجنوبي
تعود الجذور الأولى للتشكيلات العسكرية في الجنوب إلى العام 1905م حين شرعت السلطات البريطانية في إنشاء كتائب محلية لتكرس سيطرتها على جغرافية الجنوب العربي، غير أن هذه النواة -التي صُممت بداية لخدمة المص المصالح الاستعمارية- تحولت لاحقاً إلى قاعدة صلبة أعيد بناؤها وتوطينها في إطار وطني. وبعد انتصار ثورة 14 أكتوبر والاستقلال في 30 نوفمبر 1967م، جرى دمج الوحدات العسكرية والأمنية التي كانت قائمة (كجيش اتحاد الجنوب العربي والمحميات) مع القوى والثوار المسلحين لتشكل جميعها الجيش الوطني لجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، تحت إشراف وزارة الدفاع في الدولة الوليدة.

وفي العام 1970م، شهد الجنوب حدثاً مفصلياً تمثل في إنشاء أول كلية عسكرية على أنقاض مركز التدريب العسكري في منطقة صلاح الدين (العاصمة عدن)، وهو ما فتح الباب أمام بناء مؤسسة عسكرية حديثة قائمة على التكوين الأكاديمي والانضباط التنظيمي. وفي الأول من سبتمبر 1971م، تخرجت الدفعة الأولى من هذه الكلية، فكان ذلك اليوم منعطفاً تاريخياً في مسيرة الجيش الجنوبي، أُعتمد عيداً رسمياً للقوات المسلحة ورمزاً لتجذر المؤسسة العسكرية كركيزة أساسية في بناء الدولة وحماية مشروعها الوطني.

الاعتراف الدولي والعلاقات العسكرية: وكانت من أولى الدول التي اعترفت بدولة الجنوب عشية إعلان الاستقلال المملكة المتحدة، وتلاها الاتحاد السوفيتي (روسيا الاتحادية حالياً)، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وألمانيا الغربية، بالإضافة إلى مصر وسوريا والعراق وغيرها. وانضمت الدولة في 14 ديسمبر 1967م إلى منظمة الأمم المتحدة دون أي معارضة، وفي أكتوبر 1969م انضمت إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وصلت أول بعثة سوفيتية لإرساء دعائم السفارة السوفيتية في شهر ديسمبر 1967م، وفي فبراير 1968م وصل أول طاقم دبلوماسي دائم، تلاه وصول أول سفير سوفيتي (فلاديمير نكراسوف) في نوفمبر. وجرت المناقشات سريعاً حول مسألة الأمن والدفاع؛ ففي غضون ثلاثة أشهر من الاستقلال، زار وفد عسكري بقيادة وزير الدفاع علي سالم البيض العاصمة موسكو، وفي مارس وصل إلى عدن وفد عسكري سوفيتي بقيادة الجنرال ألكسندر نكراسوف في زيارة دامت أربعة أيام للاطلاع على المستلزمات العسكرية للجمهورية.

وفي أغسطس 1968م وقّع الجانبان اتفاقية مساعدة فنية وعسكرية، وتواصلت الزيارات العسكرية بين البلدين. ووصلت الدفعة الأولى من الأسلحة في يوليو 1968م، تلتها في يناير 1969م شحنة كبيرة من المعدات العسكرية السوفيتية تضمنت عشر مقاتلات من طراز ميغ-17، وصواريخ جو-أرض، ومدافع مضادة للطائرات، ومعدات رادار محمولة، وذخائر وقطع غيار.

كما تم عقد اتفاقية عسكرية للتنسيق والتعاون المعرفي وتبادل الخبرات مع الجمهورية العربية السورية في العام 1970م، تلتها اتفاقات مع العديد من الدول العربية والصديقة. وأسهم الدور الريادي لسوريا في تقديم الدعم العسكري والإسناد القتالي لبلادنا بإرسال عدد من الخبراء والمستشارين للتنظيم العسكري، وإنشاء الكلية العسكرية، وإرسال الأطباء والطيارين على طائرات ميغ-17.

أما التحول الأبرز والأكثر أهمية في عملية بناء وتطوير القوات المسلحة الجنوبية، فكان توقيع اتفاقية الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية، والذين شرعوا بتزويد الجيش بالأسلحة والمعدات الحديثة وإرسال الخبراء والمدربين والفنيين في مختلف التخصصات.

قوام وبنية القوات المسلحة الجنوبية (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية): خلال عشرين عاماً من البناء العسكري، حازت الدولة الجنوبية على مقومات عسكرية دفاعية كافية لحماية سيادة وأمن واستقرار الدولة والمجتمع؛ حيث تميزت بالبنية التالية:
أ- القوى البشرية:
الجيش النظامي: 80,000 – 100,000 ضابط وجندي.
الاحتياط والقوات الشعبية: 60,000 من الميليشيا الشعبية والاحتياط العام.
ب- البنية التحتية واللوجستية لرئاسة هيئة الأركان العامة:
18 دائرة تخصصية مختلفة.
كليتان عسكريتان (الكلية العسكرية وكلية الطيران والدفاع الجوي/البحرية).
12 مدرسة تخصصية لمختلف صنوف القوات المسلحة.
8 ورش مركزية للصيانة و216 ورشة فرعية.
لواء نقل عام يمتلك أكثر من 2,500 وسيلة نقل خفيفة ومتوسطة وثقيلة.
3 مستشفيات مركزية و164 مركزاً صحياً ومدرسة طبية عسكرية.
300 – 500 منشأة عسكرية.
مصنع متكامل للذخائر والعتاد العسكري.
16 مزرعة إنتاجية مخصصة للإمداد.
150,000 متر مربع من الأراضي والعقارات العسكرية.
16 منشأة خدمية وترفيهية (فنادق، أندية، منتزهات، ومتاحف عسكرية).
أكثر من 20 مدرسة ومنشأة تعليمية للمراحل الأساسية والثانوية (مثل مدارس البدو الرحل ومؤسسة النجمة الحمراء).
ج- قوام الوحدات العسكرية وأسلحة القتال: تكونت القوة الميدانية من 40 لواءً نظامياً (مشاة، ميكانيكي، دبابات، مدفعية، صواريخ، قوى جوية ودفاع جوي، وبحرية):
القوات البرية:
16 لواء مشاة.
4 ألوية مشاة ميكانيكية.
لواء إنزال مظلي (صاعقة).
3 ألوية دبابات و10 كتائب إسناد مستقلة بقوام 550 دبابة حديثة.
3 ألوية مدفعية بقوام 480 مدفعاً وراجمة صواريخ.
لواء صواريخ تكتيكية (لونا، توتشكا) ولواء صواريخ “سكود” بقوام 21 منصة إطلاق (ثابتة ومتحركة).
3 ألوية للميليشيا الشعبية و3 ألوية احتياط عام.
القوات الجوية والدفاع الجوي:
3 ألوية طيران قتالي بقوام 92 طائرة (ميغ وسوخوي).
3 ألوية طيران مروحي (قتال، نقل، استطلاع) بقوام 48 طائرة.
لواء نقل وشحن جوي بقوام 12 طائرة (بينها طائرات شحن عملاقة).
لواء رادار وإنذار مبكر.
3 ألوية دفاع جوي و10 كتائب مستقلة.
5 مطارات عسكرية وقاعدتان جويتان رئيسيتان.
القوات البحرية والدفاع الساحلي:
6 ألوية بحرية تضم 12 زورق صواريخ طوربيد، و15 زورق دورية لخفر السواحل والاستطلاع.
7 سفن إسناد و8 سفن إنزال ونقل بحري.

وتعد تجربة البناء العسكري للجيش الجنوبي حسب تقييمها من قبل الخبراء العسكريين كواحدة من أهم وأبرز التجارب النموذجية والتاريخية الناجحة على مستوى الوطن العربي والبلدان النامية. ولم يكن هذا النجاح وليد اللحظة، بل كان فعلاً تراكمياً لمسيرة شاقة وطويلة، ونتاج عمل متواصل متكامل العناصر المادية والمعنوية.

وإحياء هذه الذكرى ليس مجرد استدعاء لحدث تاريخي، بل هو تأكيد على حقيقة راسخة أن استقلال الجنوب لا يمكن أن يصان إلا بجيش وطني عقيدته حماية الأرض والإنسان والسيادة، وجوهره التلاحم مع الشعب.

أبرز المواقف العروبية للجيش الجنوبي في مجال الدفاع المشترك:

تأمين الملاحة الدولية: تأمين وحماية الممرات التجارية في المياه الإقليمية والدولية في بحر العرب والبحر الأحمر بصلابة؛ حيث لم تشهد المنطقة أي حادثة قرصنة طيلة فترة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

نصرة القضية الفلسطينية: الوقوف الثابت إلى جانب الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة المناضل ياسر عرفات بتقديم الدعم المالي والعسكري واللوجستي.

حرب أكتوبر 1973م: الموقف التاريخي المتمثل في إغلاق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية أثناء الحرب التي خاضتها مصر وسوريا ضد الكيان الصهيوني، وهو ما أسهم بشكل مباشر في دعم الانتصار العربي.

المساهمة في ليبيا: إرسال وحدات ولواء عسكري لمساندة الشعب الليبي ودعم دفاعاته في عامي 1978م و1982م.
المشاركة في لبنان (1982م): إرسال وحدات عسكرية ضمن القوات العربية للوقوف إلى جانب لبنان والفصائل الفلسطينية لصد الاجتياح الإسرائيلي.

مرحلة ما بعد 1990م واستهداف المؤسسة العسكرية:

عقب إعلان الوحدة عام 1990م، بدأت عمليات استهداف واسعة للقيادات العسكرية والسياسية الجنوبية؛ حيث تشير الإحصائيات إلى اغتيال أكثر من 160 قيادياً جنوبياً خلال الفترة من 1990م إلى نهاية 1993م ولم يكن غريباً أن يصبح الجيش الوطني الجنوبي الهدف الرئيسي للمؤامرات والاستهداف المباشر؛ فالتفكيك بدأ مبكراً عبر اتفاقيات إعادة انتشار وتموضع التشكيلات العسكرية الجنوبية ونقلها إلى المحافظات الشمالية لتسهيل محاصرتها. وتوّج ذلك بحرب صيف 1994م التي مثلت الإجهاز على تلك التشكيلات والاستحواذ على عتادها وأسلحتها. وعقب احتلال الجنوب، استكملت العملية بإحالة عشرات الآلاف من الضباط والصف والجنود إلى التسريح القسري، مع إغلاق باب الالتحاق بالكليات والمعاهد العسكرية أمام أبناء الجنوب.

خلافاً لتجربة البناء العسكري بعد الاستقلال الوطني الأول، تتسم الأوضاع اليوم بتعقيدات أكثر مما كانت عليه بالأمس، كما أن المخاطر والتهديدات أوسع نطاقاً مما كانت عليه سابقاً.. ففي ظل تخلف وسائل الإعلام ومحدودية نشاطها وتأثيرها وقدرتها على خوض الحرب النفسية قديماً، ظلت التأثيرات السلبية للحرب النفسية والإعلامية والسياسية الموجهة ضد الشعب والقوات المسلحة الجنوبية قليلة ومحدودة الأثر والنتائج.. على النقيض مما تتعرض له اليوم من حملة إعلامية دعائية سياسية وحرب نفسية مفتوحة لا تعرف الهوادة أو التوقف ضد شعبنا وقواته المسلحة باختلاف منابرها ومنصاتها الداخلية والخارجية، مستثمرة إلى حد كبير الفضاء الإعلامي المفتوح ووسائله المعاصرة المتعددة القوية التأثير والموجهة لإحياء النزاعات والثقافات العصبوية باختلاف مسمياتها وهوياتها وجذورها، وإذكاء نزوات الفتن والصراعات والثارات السياسية والقبلية والمناطقية بأبعادها التاريخية المعاصرة.. قد نجافي الحقيقة إذا تناسينا أو قللنا من أهمية وخطر الحرب الناعمة التي تستهدف المشروع الجنوبي والمجلس الانتقالي من قبل أطراف وجهات معادية وصديقة وحليفة، كان لها أثرها الواضح على استراتيجية وخطط المجلس الانتقالي الرامية لإعادة صهر وتشكيل مختلف الوحدات العسكرية الجنوبية وجميع منتسبيها في سبيكة وطنية عسكرية جنوبية واحدة وموحدة.. ويمكن القول إن من أبرز الدروس والتجارب والخبرات التي أفرزتها هذه المرحلة في مواجهة الحرب الإعلامية المعادية تمثلت في أن مساحات المواجهة العسكرية المباشرة مع العدو قد غدت صروحاً تربوية وطنية لتعزيز أواصر الوحدة المصيرية، والتعاون والتكامل العسكري، والتلاقح والتفاعل والتكامل السياسي والثقافي والاجتماعي والقتالي بين أفراد وتشكيلات القوات المسلحة الجنوبية من مختلف المحافظات، وبينها وبين الشعب الذي يمثل سندها وداعمها وحاضنتها الاجتماعية.

دروس وعبر من تاريخ الجيش

إن التماثل النسبي بين الأحداث والوقائع والظروف الموضوعية والشروط الذاتية لتجربتنا الوطنية ما قبل الاستقلال 30/11/1967م وتجربتنا المعاشة اليوم، تحتم الضرورة لاستدعاء واستحضار الأحداث والتجارب التاريخية، والدروس والعبر التي يمكن الاستفادة منها وخاصة في مجال الدفاع والأمن، وتأكيد المشروعية التاريخية وصواب خياراتنا ونهجنا وكفاحنا في تحقيق مشروعنا التحرري واستعادة دولتنا.
تجربتنا ومهامنا المعاصرة في بناء القوات المسلحة الجنوبية -والتي تحتل الطليعة بين أبرز المهام الوطنية الملحة- تمثل دون شك وليدة واقعنا وممكناته ومحدداته وتحدياته وواجباته الدفاعية والأمنية بأبعادها الداخلية والخارجية. إن التطورات والنجاحات التي تحققت حتى الآن مثلت المحصلة التراكمية ونتاج سلسلة طويلة ومتواصلة من النضالات والفعل الوطني المتكامل على مختلف جبهات المواجهة العسكرية وغير العسكرية.

إن شعبنا وقواته المسلحة وطليعته السياسية يخوضون اليوم بكل استبسال وجدارة واحدة من أعظم معارك الوطن التاريخية العسكرية والسياسية والدبلوماسية لاستعادة وبناء دولته، في بيئة وطنية ملغومة، وإقليمية ودولية غير موحدة وغير مواتية.. فمنذ انطلاق الثورة السلمية الجنوبية وحتى اللحظة، يمضي ركب الثورة في دروب نضالية وعرة زاخرة بالتعقيدات تتخللها المنزلقات والتعددات والطفرات والتحولات الخطيرة والمفاجئة، بكل ما يترتب عليها من تداعيات سلبية أو تعثرات وإخفاقات هنا أو هناك، أو انتكاسات مرحلية يتحتم علينا مجابهتها وتجاوزها.

إن الذكرى الخامسة والخمسين لولادة وتأسيس الجيش الجنوبي التي نحتفي بها اليوم تمخضت عن تجربة وطنية متميزة في مجال الدفاع والأمن وبناء القوات المسلحة.. فهذه التجربة رغم نجاحها المشهود داخلياً وخارجياً كانت حافلة بالمتناقضات والمفارقات المتأرجحة بين المد والانحسار، النجاح والفشل، الانتصارات والانكسارات، الاستقلال الاضطرابات، الحرب والسلام.. إلا أن صيرورتها مضت في اتجاه تصاعدي نحو النجاح في بناء جيش قوي مهاب، شكل إلى جانب الدبلوماسية النشطة والتحالفات العسكرية والأمنية الفاعلة والمتكافئة، أحد الضمانات الأكيدة للنجاح وصيانة السيادة الوطنية والدفاع القوي عن أمن واستقرار الوطن والشعب، وأسهم الجيش في تعزيز دور ونفوذ الدولة الجيوسياسي والعسكري والأمني على المستوى الإقليمي والدولي.

فهذه التجربة رغم عمرها الزمني القصير الممتد من (نوفمبر 1967م – مايو 1990م)، لكنها بنجاحاتها الكبيرة تمثل مخزوناً تاريخياً ومعرفياً غنياً بدروسه وتجاربه وخبراته ونماذجه العملية التي يمكن الاستفادة منها في حل معضلة الدفاع والأمن والبناء العسكري الوطني في الحاضر والمستقبل، وفي رفد الدراسات والاستراتيجيات والخطط وصناعة السياسات والقرارات المناسبة، وتجنب تكرار الأخطاء والإخفاقات، أو إعادة استنساخ التجارب الفاشلة ..والتي قد تتنافى أو تتصادم مع مشروعنا الوطني الجنوبي بآفائه وأبعاده الدفاعية والأمنية القومية، ولا تلبي احتياجات ومتطلبات الوطن والشعب في مواجهة المخاطر والتحديات وكل اشكال الحروب الظالمة ضده.

فالمتمعن في دراسة واقعنا عشية ثورة 14 أكتوبر والاستقلال الوطني الأول بكل ما فيه من صعوبات وتعقيدات وتآمرات وتحديات ومخاطر، وعلى وجه الخصوص في مجال الدفاع والأمن والبدايات العملية الأولى لإصلاح وضع المؤسسة العسكرية والأمنية وإعادة بنائها.. يجد أن هناك تماثلاً وتشابهاً كبيراً بين واقع الأمس وواقع اليوم، وبين تجربة الأمس وتجربة اليوم، والأهم من ذلك استخلاص الدروس والعبر من تجارب الأمس الناجحة ومعرفة كيف يمكن الاستفادة منها.

لقد كانت تجربة بناء القوات المسلحة الجنوبية بعد الاستقلال الأول إحدى التجارب الوطنية الناجحة على مستوى المنطقة، والتي يمكن استلهامها والاستفادة من دروسها وخبراتها ونجاحاتها باعتبارها جزءاً من الذاكرة الحية والإرث التاريخي للوطن والشعب الجنوبي.. وتكون الفائدة أكبر لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الكثير من القادة الذين عاصروا هذه التجربة وكانوا جزءاً منها لا زالوا على قيد الحياة، والفرصة متاحة للاستفادة العملية المباشرة من معارفهم وخبراتهم وعلومهم المعرفية والأكاديمية التي شكلت بالأمس أساساً نظرياً وأداة عمل مهمة في بناء الجيش الجنوبي.. مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات ومؤثرات وصراعات الوضع الوطني والإقليمي الراهن وتحولاته المتسارعة، علاوة على المتغيرات في الخطط واستراتيجيات البناء العسكري التي أحدثتها موجات التقدم في التكنولوجيا والعلوم والفنون العسكرية، وفي طبيعة الحروب الهجينة المعاصرة والحروب بالوكالة، والأهم من ذلك طبيعة المتغيرات والتحديات والمخاطر والصراعات المحتدمة على الساحة الوطنية بكل تحالفاتها وتوازناتها وموازينها وتضاريسها المتغيرة..

القوات المسلحة الجنوبية المعاصرة:
فالقوات المسلحة الجنوبية المعاصرة تشكلت وتصقلت في أتون الثورة الجنوبية التحررية والمقاومة الجنوبيّة، وهي امتداد وتجديد لتجربة الآباء والأجداد.
ومع التماثل بين التجارب، إلا أن القوات المعاصرة تواجه تحديات أكثر تعقيداً وشراسة في معارك استعادة الدولة وتثبيت الأمن ومكافحة الإرهاب، في ظل جبهات متعددة ومواجهات مع أعداء صريحين وآخرين يتخفون في المناطق الرمادية.

إن الانتصارات التي صنعتها قوى الثورة والقوات المسلحة الجنوبية تلهم شعبنا للمزيد من الثبات والصبر، وتؤكد الحقيقة التاريخية بأن إرادة الشعوب الحرة والتضحيات الوطنية هي الضامن الوحيد لتحقيق الانتصار واستعادة السيادة.

زر الذهاب إلى الأعلى