صانع القادة يعيش على 37 ألف ريال.. مأساة متقاعدي الجنوب بعد عقود من التهميش

النقابي الجنوبي/تقرير/هشام صويلح
من الميدان الأسود في الكلية العسكرية إلى طابور الانتظار أمام البريد، تختصر حكاية المساعد أول سمير عبد الله علي المنصري مفارقة موجعة: رجل يقول إنه أمضى سنوات في تدريب أجيال من العسكريين، من بينهم وزير الدفاع السابق محسن الداعري، ثم وجد نفسه بعد التقاعد يعيش على 37 ألف ريال شهرياً؛ أي نحو 24 دولاراً وفق سعر الصرف في عدن.
يخرج المنصري بطاقة معاشه التقاعدية أمام الكاميرا، يقلبها بيده ويشير إلى الرقم، كأنه يحاول أن يصدق بنفسه أن هذا هو المقابل الذي بقي له بعد سنوات الخدمة.
«37 ألف»، يقولها وهو يكرر الرقم أكثر من مرة، ثم يسأل بمرارة: «إيش تسوي بـ37 ألف؟»
لا يحتاج الرجل إلى كثير من الشرح. البطاقة التي يحملها تكفي لبدء الحكاية.
الرجل الذي كان يدرّب القادة
قبل أن يصبح رقماً في كشف المعاشات، كان المنصري يقف في ميدان التدريب.
يقول إنه عمل مدرباً في الكلية العسكرية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتولى تدريب دفعات متعاقبة من الطلبة، من الدفعة العاشرة حتى السابعة عشرة.
ومن بين الأسماء التي يستعيدها من ذاكرته محسن الداعري، وزير الدفاع السابق، الذي يقول المنصري إنه كان طالباً في الدفعة الثانية عشرة وتدرب معه.
ويستعيد الرجل أسماء أخرى من تلك السنوات، كما يتذكر القادة الذين تعاقبوا على قيادة الكلية، ومن بينهم الفريق الركن محمود الصبيحي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، إلى جانب أحمد صالح عليوة، وعبد الهادي ديان، والزومحي.
وكأن الرجل يعود للحظة إلى زمن كان فيه واقفاً في الميدان، محاطاً بالطلاب، يتابع دفعات تتخرج واحدة تلو الأخرى.
ثم يعود إلى الحاضر.
الحاضر بالنسبة إليه ليس ميدان تدريب ولا صفوف طلبة.
إنه معاش من 37 ألف ريال.
القطمة أغلى من راتبي
يتحدث المنصري أمام الكاميرا بصوت يختلط فيه الغضب بالحسرة.
يقول إن راتبه لا يكفي حتى لشراء كيس من الأرز، ويكرر عبارته التي تختصر حالته:
«القطمة الرز أغلى من راتبي».
ثم يسأل:
«37 بالله هذا راتب؟»
وبالنسبة لرجل يقول إنه متقاعد منذ عام 2007، وأمضى سنوات في تدريب العسكريين، يصبح السؤال أكبر من قيمة الراتب نفسه: ماذا بقي من قيمة تلك السنوات عندما يتحول معاش صاحبها إلى مبلغ لا يكاد يلامس كلفة احتياجاته الأساسية؟
من 2007 إلى 2013.. ثم انتظار طويل
يقول المنصري إنه أحيل إلى التقاعد عام 2007.
وبعد سنوات، وتحديداً في 2013، يقول إنه وزملاءه قدموا ملفاتهم إلى القاعدة الإدارية أملاً في تسوية أوضاعهم المالية.
كانت هناك وعود، بحسب روايته، بأن الزيادة ستأتي ضمن التسوية، وأن الأشهر المحددة ستحمل معها حلاً طال انتظاره.
لكن السنوات مرت، فيما يقول الرجل إنه بقي يتسلم 37 ألف ريال عبر البريد.
ويشير إلى بطاقته قائلاً:
«هذا حق البريد.. مساعد أول.. 37 ألف.. من 2007».
ثم يسأل:
«إيش باتسوي له؟»
حين يصبح صاحب الخبرة محتاجاً إلى من يسمعه
أكثر ما يوجع في شهادة المنصري ليس الرقم وحده، بل الإحساس بأنه أصبح غير مرئي.
يقول:
«ما حد لفت علينا يا أخي».
ثم يسأل:
«إيش نسوي؟ عند من نتكلم؟ عند من نقول؟»
إنها لغة رجل يقول إنه انتظر سنوات حتى تتم تسوية وضعه، ثم وجد نفسه مضطراً إلى شرح معاناته أمام كاميرا هاتف في أحد شوارع المدينة.
ويقول بمرارة:
«اتبهدلنا نحن نشحت الآن.. عيب، جوعنا يا أخي».
المنصري ليس وحده
قصة الرجل تأتي في وقت لا يزال فيه ملف المتقاعدين والعسكريين الجنوبيين حاضراً في مطالب وبيانات الهيئات العسكرية الجنوبية.
فالهيئة العسكرية العليا للجيش والأمن الجنوبي أكدت في يونيو 2026 أن المظالم والحقوق المتعلقة بمنتسبي الجيش والأمن الجنوبي ما تزال قائمة ومتراكمة منذ سنوات، وطالبت الحكومة بإعادة الحقوق والمستحقات إلى أصحابها.
وتعود مطالب تسوية أوضاع المتقاعدين والمسرحين والمبعدين العسكريين والأمنيين إلى سنوات سابقة، مع مطالب متكررة بتنفيذ قرارات التسوية وصرف المستحقات ومعالجة المرتبات المتأخرة.
وهنا لا يتحدث المنصري عن نفسه فقط، بل يستخدم طوال التسجيل صيغة «نحن»:
«راتبنا».
«ملفاتنا».
«ما حد لفت علينا».
وكأن الرجل، وهو يشرح حاله، يحاول أن يجعل أحداً يرى ما يقوله عن شريحة كاملة من رفاقه.
حين يصبح المعاش دليلاً على قضية أكبر
بالنسبة للمنصري، لا تبدو قصة الـ37 ألف ريال مجرد مشكلة معاش متقاعد. فهي تأتي في سياق أوسع من المظالم التي يقول المتقاعدون العسكريون الجنوبيون إنهم تعرضوا لها خلال سنوات ما بعد الوحدة، من التسريح والإقصاء إلى تهميش الحقوق والتأخر في تسوية الأوضاع.
ومنذ انطلاق جمعيات المتقاعدين العسكريين في 2007، ارتبطت مطالبهم بالتسريح القسري والإقصاء والتهميش الذي طال كوادر الجنوب، قبل أن تتحول هذه الحركة الحقوقية إلى أحد المكونات المبكرة التي رفعت مطالب سياسية أوسع، وصولاً إلى المطالبة بالحقوق الجنوبية واستعادة دولة الجنوب.
ومع مرور السنوات، لم يختف الملف؛ فما زالت الهيئات العسكرية الجنوبية تطالب بتسوية أوضاع المتقاعدين والمبعدين وصرف المستحقات المتأخرة، في وقت تشير فيه بيانات ومطالبات حديثة إلى استمرار معالجة ملفات عسكريين جنوبيين أُبعدوا أو أُحيلوا إلى التقاعد أو انقطعوا عن الخدمة.
لذلك، تبدو بطاقة المنصري أكثر من مجرد وثيقة معاش. إنها، بالنسبة إليه، دليل شخصي على سنوات يقول إنها انتهت بالتهميش، وعلى قضية يرى أن حلها لا يقتصر على زيادة راتب، بل يرتبط بسؤال الدولة التي يريد الجنوبيون استعادتها.
وهكذا يصبح 37 ألف ريال في هذه القصة أكثر من قيمة معاش؛ فهو، في رواية صاحب الشهادة، جزء من تاريخ أطول من التقاعد والانتظار والتهميش، ومن قضية يرى الجنوبيون أن جذورها تتجاوز الراتب إلى استعادة دولتهم.
بطاقة صغيرة تختصر عقوداً من الخدمة
في نهاية التسجيل، يعود المنصري إلى البطاقة.
يمسكها أمام العدسة، يذكر رتبته، ويكرر قيمة معاشه.
ثم يعود إلى الحديث عن الكلية العسكرية.
هناك، قبل عقود، كان يقف في الميدان الأسود مدرباً للطلاب.
أما اليوم، فيقف أمام كاميرا هاتف محمول، يحمل بطاقة معاشه، ويسأل السؤال نفسه:
«37 ألف.. إيش تسوي؟»
بين السؤالين تمتد عقود من الخدمة والتقاعد والانتظار.
وبينهما قصة رجل يقول إنه درّب القادة، ثم وجد نفسه بعد نهاية خدمته يبحث عن ثمن طعامه الأساسي.
في الميدان الأسود كان يقف أمام أجيال من الطلبة، أما اليوم فلا يحمل أمام الكاميرا سوى بطاقة معاشه وسؤال واحد: «37 ألف.. إيش تسوي؟»