الأزارق تستغيث.. الجفاف يبتلع مصادر المياه ويهدد أكثر من 50 ألف مواطن بكارثة إنسانية وشيكة

بقلم: الإعلامي عبدالله شايع
تواجه مديرية الأزارق بمحافظة الضالع واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في تاريخها، بعد أن بدأت مصادر المياه السطحية، التي يعتمد عليها السكان كمصدر رئيسي للشرب، في الجفاف بصورة متسارعة، وسط غياب الحلول الاستراتيجية واستمرار تجاهل الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية لمعالجة جذور الأزمة.
فبعد موسم مطري يُعد الأضعف منذ عقود، وتأخر هطول الأمطار خلال الموسم الحالي، شهدت عشرات الآبار في أودية الرونة والرعدية وضبعان والشرف وحودين وطبقين وحمادة نضوبًا كليًا أو جزئيًا، الأمر الذي ينذر بكارثة مائية غير مسبوقة تهدد حياة أكثر من خمسين ألف مواطن، وفق تقديرات محلية.
وتفيد مصادر مجتمعية بأن بعض الآبار التي لا تزال تعمل لا يتجاوز إنتاجها سبعة آلاف لتر يوميًا، وهي كمية محدودة لا تكفي سوى احتياجات أسرة واحدة لفترة وجيزة، في وقت يتزايد فيه عدد السكان الذين يعتمدون عليها بشكل كامل، ما يعكس حجم الفجوة المتنامية بين الاحتياج الفعلي والمتاح من المياه.
ومع اتساع رقعة الجفاف، اضطرت الأسر، خصوصًا في المرتفعات الجبلية، إلى شراء صهاريج المياه بأسعار تتراوح بين خمسين وستين ألف ريال، وهي مبالغ تفوق قدرة معظم المواطنين الذين يرزحون تحت وطأة أوضاع اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة، لتتحول المياه إلى عبء يومي يهدد حياة آلاف الأسر.
ولا ترتبط الأزمة بشح الأمطار فحسب، بل تعكس سنوات طويلة من غياب التخطيط السليم، وانعدام مشاريع حصاد مياه الأمطار، وغياب السدود والخزانات الاستراتيجية، إلى جانب تعثر مشاريع الآبار الجوفية التي أُنفقت عليها مبالغ كبيرة دون تحقيق نتائج حقيقية، بسبب سوء الإدارة والإخفاقات الفنية والهندسية.
وفي الجانب الصحي، تتفاقم المخاطر مع ازدياد تلوث مصادر المياه في المناطق الواقعة على ضفاف غيل بلاد الأحمدي، الممتد من محافظة إب مرورًا بالأزارق وصولًا إلى محافظة لحج، حيث أشارت تقارير صحية وبيئية إلى ارتفاع حالات الإصابة بالكوليرا والأمراض المنقولة عبر المياه، لا سيما في مناطق أعمور وتورصة وحلحال وحورة، نتيجة تلوث الآبار السطحية وعدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.
وبين شبح الجفاف وخطر التلوث، تقف الأزارق أمام واقع ينذر بكارثة إنسانية قد تدفع مئات الأسر إلى النزوح بحثًا عن المياه، فضلًا عن نفوق أعداد كبيرة من المواشي التي تمثل مصدر الرزق الوحيد لكثير من السكان.
ورغم تنفيذ عدد من المنظمات والجهات المانحة مشاريع لتغطية الآبار وتعميقها، وتركيب منظومات الطاقة الشمسية والغطاسات والخزانات، فإن تلك المشاريع فقدت جدواها بعد جفاف الآبار، فيما تحولت بعض الآبار المدعومة إلى مصادر خاصة يسيطر عليها نافذون، في ظل غياب الرقابة والمساءلة، رغم أن ملاكها تنازلوا عنها سابقًا لخدمة المجتمع.
ولم تتوقف آثار الأزمة عند حدود المعاناة المعيشية، بل امتدت إلى خسائر بشرية مؤلمة، إذ أودت بحياة العشرات من أبناء المديرية خلال السنوات الماضية، معظمهم من النساء اللواتي لقين حتفهن أثناء استخراج المياه من الآبار بالطرق التقليدية، إضافة إلى رجال تعرضوا للوفاة أو لإصابات وإعاقات دائمة أثناء تنظيف الآبار من الرواسب، في مشهد يجسد حجم المأساة التي باتت تهدد حياة السكان بشكل مباشر.
ويؤكد أبناء الأزارق أن الحلول المؤقتة لم تعد مجدية، مطالبين الحكومة والسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية بإعادة ترتيب أولوياتها، وتوجيه الموارد نحو تنفيذ مشاريع مياه مستدامة، وفي مقدمتها حفر الآبار الجوفية، وإنشاء السدود والخزانات الاستراتيجية لحصاد مياه الأمطار، باعتبارها الخيار الوحيد لإنقاذ المديرية من كارثة عطش تلوح ملامحها بوضوح.
إن الأزارق اليوم لا تطالب هجبمشاريع هامشية أو حلول مؤقتة، بل تنادي بحقها الأصيل في الحياة. فالماء لم يعد مجرد خدمة، بل أصبح قضية بقاء، وتأخير معالجتها يعني تعريض عشرات الآلاف من المواطنين لكارثة إنسانية قد تكون آثارها أشد قسوة في الأيام المقبلة