بين التهوين والتهويل… كيف هزم التصريح نفسه؟

كتب/علي سيقلي
في السياسة، قد تختلف مع أي رأي، لكنك تتوقع على الأقل أن يكون متماسكًا مع نفسه. أما أن يجتمع النقيضان في جملة واحدة، فذلك لا يحتاج إلى محلل سياسي، بل إلى مترجم يفك شيفرة التناقض.
يقول المتحدث إن الحوثيين اليوم “أضعف مما كانوا عليه سابقًا”، ثم يضيف في الجملة نفسها أنهم “لم يعودوا مجرد تهديد داخلي، بل تحولوا إلى تهديد إقليمي ودولي”.
وهنا تبدأ الحيرة.
إذا كانوا أضعف، فكيف اتسع نطاق خطرهم؟ وإذا كانوا قد تحولوا إلى تهديد إقليمي ودولي، فأين مظاهر هذا الضعف الذي يتحدث عنه؟
فالمنطق السياسي يقول إن التهديد يقاس بالقدرة والتأثير، لا بالشعارات. وكلما اتسع نطاق تأثير أي جماعة، دلّ ذلك على امتلاكها أدوات نفوذ أكبر، وليس العكس.
لذلك يبدو أن صاحب التصريح وقع في مأزق لغوي وسياسي معًا. فهو أراد طمأنة جمهوره بالقول إن الحوثيين أصبحوا أضعف، لكنه في الوقت نفسه أراد استجداء الاهتمام الإقليمي والدولي بتضخيم خطرهم، فانتهى به الأمر إلى الاعتراف – من حيث لا يقصد – بأن الجماعة أصبحت لاعبًا يتجاوز حدود اليمن.
وهذا هو التناقض بعينه.
فإما أن الحوثيين في حالة انكماش وتراجع، وعندها يصبح الحديث عن تحولهم إلى تهديد إقليمي ودولي بحاجة إلى تفسير، وإما أنهم بالفعل يمتلكون قدرة على التأثير خارج الحدود، وعندها يصبح وصفهم بأنهم “أضعف من السابق” مجرد شعار لا ينسجم مع بقية الحديث.
المفارقة أن التصريح لم ينجح في إيصال أي من الرسالتين؛ فلا أقنع المتابع بأن الحوثيين تراجعوا، ولا قدّم تفسيرًا منطقيًا لكيفية انتقال “الضعيف” إلى مرتبة “التهديد الإقليمي والدولي”.
ولهذا بدا التصريح أشبه بمن يقول: “هذا الأسد فقد أنيابه… لكنه أصبح أخطر من أي وقت مضى!”
في السياسة، قد تمرر العواطف كثيرًا من الخطابات، لكن المنطق يبقى عنيدًا؛ فإذا ناقضت الجملة نفسها، فلن يحتاج خصومك إلى الرد عليك… لأن كلماتك ستكون قد قامت بالمهمة كاملة.