#دماء الشهداء ليست للبيع.. والجنوب لا يُساوم على تضحيات ابنائه

كتب/خلود علي علوي
هناك لحظات في تاريخ الشعوب تصبح فيها المواقف عنوانًا للكرامة، ويصبح الصمت تواطؤًا، وتتحول الكلمة إلى واجب وطني وأخلاقي. وما يجري اليوم من محاولات لإدراج افراد شاركوا في قضايا إرهابية واغتيالات ومحكوم عليهم بالاعدام ضمن ترتيبات لتبادل الأسرى بين المملكة العربية السعودية والحوثيين وحكومة ( الشرعية ) لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إجراء سياسي، بل هو، في نظر قطاع واسع من أبناء الجنوب، امتحان حقيقي لاحترام العدالة ووفاء المجتمع لدماء شهدائه.
لقد امتزجت أرض الجنوب بدماء رجال قدموا أرواحهم دفاعًا عن أمنه واستقراره وحق شعبه في الحياة والحرية. سقطوا وهم يواجهون الإرهاب، ويحبطون مخططاته، ويحرسون مستقبل وطنهم. تلك الدماء الطاهرة لم تكن أرقامًا في سجلات الحرب، بل كانت الثمن الذي دفعه الجنوب ليبقى صامدًا في وجه مشاريع الفوضى والعنف.
ولهذا، فإن أي محاولة للإفراج عن مدانين في جرائم إرهابية أو اغتيالات سياسية ومحكوم عليهم في الاعدام ، ، تمثل جرحًا جديدًا في ضمير أسر الشهداء وضمير شعب الجنوب العربي ، ورسالة قاسية لكل من ضحى دفاعًا عن وطنه، وكأن التضحيات يمكن أن تتحول إلى بند تفاوض أو ورقة مقايضة.
إن أسر الشهداء ليست وحدها من تشعر بالألم، بل كل بيت جنوبي يعرف قيمة تلك التضحيات. فالشهداء لم يكونوا أبناء أسرهم فقط، بل كانوا أبناء وطن بأكمله، صنعوا بدمائهم ملحمة من الصمود والإباء، ورسخوا في وجدان الناس ان أمن الجنوب لا يُحمى إلا بالإرادة والتضحية.
ومن هنا، فإن الحشود الجنوبية التي أعلنت رفضها لهذه الصفقة تعبر، عن موقف شعبي يرى أن العدالة ليست قابلة للمساومة، وأن دماء الشهداء ليست ثمنًا لتفاهمات سياسية مهما كانت مبرراتها. ويظل التعبير عن هذا الرفض حقًا مشروعًا يكفله احترام القانون ويعكس عمق المشاعر التي أثارتها هذه القضية.
إن السلام الذي يقوم على تجاوز حقوق الضحايا ليس سلامًا راسخًا، والعملية السياسية التي تتجاهل العدالة تفقد أحد أهم أسس مشروعيتها. فلا يمكن بناء مستقبل آمن إذا شعر الناس أن دماء أبنائهم أصبحت قابلة للمقايضة، أو أن التضحيات التي قدموها يمكن تجاوزها بقرار سياسي.
لقد أثبت شعب الجنوب، عبر سنوات طويلة من النضال، أنه لم يختر طريق التضحيات بإرادته، بل فُرضت عليه معارك الدفاع عن أرضه وكرامته ومستقبله. وعلى امتداد هذا الطريق ارتقى آلاف الشهداء، وسالت دماء زكية ستبقى، في وجدان الجنوبيين، عهدًا لا يسقط بالتقادم ولا تلغيه الصفقات.
إن القضية الجنوبية، ، لم تُبنَ على المصالح الآنية، وإنما على إرادة شعب وتضحيات أجيال. ولذلك فإن ثبات الجنوبيين على مواصلة نضالهم السياسي السلمي، وتمسكهم بحقوقهم الوطنية واستعادت الدولة الجنوبية العربية الفيدرالية المستقلة ، هو امتداد طبيعي لتلك التضحيات، وليس موقفًا عابرًا يرتبط بحدث أو أزمة.
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن الحقوق التي رُويت بدماء الشهداء لا تموت، وأن الإرادة التي صمدت أمام الحروب والمؤامرات لن تنكسر أمام الضغوط أو الصفقات. وسيظل الوفاء للشهداء هو البوصلة التي تهدي مسيرة الجنوب، وسيظل الإيمان بعدالة القضية الجنوبية هو الدافع لمواصلة النضال المشروع حتى تحقيق تطلعات شعبنا الجنوبي العربي .
الرحمة للشهداء، والوفاء لعائلاتهم، والحرية للأوطان التي لا تفرط في دماء أبنائها. أما الجنوب، فقد أثبت وسيظل يثبت أن كرامته لا تُشترى، وأن دماء مغاويره ليست للبيع، وأن القضية التي سُقيت بدمائهم ستبقى حية في وجدان الشعب حتى يبلغ نضاله غايته التي يؤمن بها المتمثلة في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية وبناء الدولة الجنوبية الفيدرالية المستقلة