#عندما تكذب النخبة… فقل على الدنيا السلام

علي سيقلي
ليس أخطر على وعي الشعوب من أن تتحول النخب إلى أبواق للدعاية، فتستبدل الحقائق بالشعارات، والوقائع بالأمنيات، ثم تطلب من الناس أن يصدقوا ما يناقض ما يرونه بأعينهم.
لقد هبطت الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء، وأقلّت وفد جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) إلى طهران، في حدث سياسي وعسكري تابعه العالم بأسره. ولم يكن ذلك إشاعة أو تسريبًا، بل واقعة موثقة فرضت نفسها على المشهد.
ومع ذلك، خرجت أصوات من النخب السعودية وأنصارها تؤكد، بكل ثقة، أن الطائرة الإيرانية لن تتمكن من العودة، وأن الوفد الحوثي لن يعود إلى اليمن، وكأن الأمر محسوم، وأن القرار بيد الرياض وحدها
لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفًا.
صحيح أن الطائرة الإيرانية لم تعد إلى صنعاء، وأن الوفد الحوثي عاد إلى اليمن عبر سلطنة عُمان في إطار وساطة وترتيبات معلنة، إلا أن ذلك لا يغير من جوهر القضية شيئًا. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بكيفية العودة، وإنما بكيفية وصول الطائرة الإيرانية إلى صنعاء وإقلاعها منها أصلًا، في ظل خطاب ظل يؤكد استحالة حدوث ذلك.
إذا كان وصول الطائرة جزءًا من تفاهمات سياسية، فلماذا صُوِّر للرأي العام على أنه أمر لن يحدث؟ وإذا كانت هناك ترتيبات إقليمية سمحت بذلك، فلماذا استمرت بعض المنصات في تسويق رواية تتناقض مع الواقع؟
ليست القضية دفاعًا عن إيران أو الحوثيين، ولا تبريرًا لتحركاتهما، وإنما دفاع عن الحقيقة واحترام لعقل المتلقي. فمن حق الناس أن يعرفوا الوقائع كما هي، لا كما ترغب الآلة الدعائية للمهايطية السعوديين، في تصويرها.
إن العودة عبر مسقط لا تلغي حقيقة أن الطائرة الإيرانية وصلت إلى صنعاء وغادرت منها، ولا تمحو المشهد الذي حاول البعض إنكاره قبل وقوعه. فالوقائع لا تُمحى بتغيير مسار رحلة العودة، ولا تُلغى بالشعارات.
والسؤال الذي يستحق الإجابة اليوم ليس: كيف عاد الوفد الحوثي؟
بل: لماذا أصرت بعض النخب على تسويق رواية ثبت أنها لا تنسجم مع ما جرى على الأرض؟
إن النخبة التي تجعل الدعاية فوق الحقيقة، والإنكار فوق الواقع، لا تضلل خصومها، بل تضلل جمهورها أولًا، وتفقد رصيدها من المصداقية مع كل حقيقة تنكشف.