فنار رأس معاشيق.. المنارة التي قادت السفن وصنعت تاريخ عدن البحري

الكثيرون لا يعرفون شيئاً عن هذا المعلم التاريخي الواقع في معاشيق، والذي كان يُعرف باسم “فنار رأس معاشيق”. وتشير وثائق أرشيف عدن إلى أن حكومة بومباي فوضت شركة الأخوة شانس ابتداء العقارات من مدينة برمنغهام البريطانية، ببناء الفنار في ربيع العام 1866م في منطقة حقات، جنوب شرق الجزيرة العربية، وقد شُيّد هذا الفنار من الحجر الداكن المتين، على شكل مخروطي، وبلغ ارتفاع هيكله عدة أقدام، قائمًا على منحدر بارتفاع 244 قدمًا فوق مستوى سطح البحر، لتمكين البواخر وهي في عرض البحر من تفادي الاصطدام بالصخور الجبلية وضمان دخولها الآمن إلى ميناء عدن البحري.
وفي العام 1867م تم تشغيل وإضاءة الفنار لأول مرة بواسطة مصباح مثبت يعمل بزيت جوز الهند، منتجًا ضوءًا خافتًا، وفي العام 1889م جرى تركيب نوع جديد من المصابيح الضاغطة ذات المواقد المتعددة، تعمل بزيت معدني بدلًا من زيت جوز الهند، مما ضاعف قوة الضوء وخفض تكاليف التشغيل، حيث كان سعر الجالون من الزيت المعدني روبية واحدة، مقارنة بزيت جوز الهند الذي كان سعره يصل إلى روبيتين وثمان آنات. في تلك الفترة ظهرت “أمانة ميناء عدن” إلى حيز الوجود، وفي 8 يونيو 1889م قام المهندس التنفيذي لمستوطنة عدن بتسليم الفنار رسميًا إلى ضابط الميناء.
وفي العام 1904م خضع الفنار لعملية تجديد شاملة، حيث أضيف مصباح جديد ذو موقد يعطي ضوءًا بقوة 13,500 شمعة باستخدام أغطية وهاجة لمضاعفة الضوء، وتحويله من ضوء ثابت إلى وامض، بحيث يضيء لمدة ثلاث ثوانٍ ويختفي لثانيتين، على مدار اليوم، باستخدام أسطوانة مربوطة ببكرة تتحكم بها آلة ميكانيكية، أشرف على هذا العمل المهندس فريد تيكل (Fred Tickle) من شركة الأخوة شانس، والذي جاء من بريطانيا خصيصًا لهذه المهمة لمدة شهر كامل.
وفي ليلة 27 فبراير 1904م، استؤجرت الباخرة الملكية الهندية (Dahousie) لنقل وجهاء عدن للمشاركة في احتفال إعادة إضاءة الفنار بعد التجديد، وهو ما عُد نجاحًا كبيرًا للمهندس المشرف على العملية. لكن بعد عودة المهندس فريد تيكل إلى بريطانيا بفترة وجيزة، تعطلت الإضاءة الجديدة، فتم فتح تحقيق حكومي لمعرفة الأسباب. وفي 16 أكتوبر 1905م عاد الفنار للعمل مجددًا بعد إضافة مرآة خاصة خلف المصباح، مما رفع شدة الإضاءة إلى 61,000 شمعة ضوئية.
وفي العام 1962م دخلت التقنية الحديثة إلى عمل الفنار، حيث تم تشغيله لأول مرة بالطاقة الكهربائية، مما ساعد على زيادة الإضاءة إلى 308,000 شمعة ضوئية، واستمرت أعمال التطوير تحت إشراف شركة ستون شانس المتحدة، المنبثقة عن الشركة الأم الأخوة شانس.
من كتاب عدن.. تاريخ وطن وحكاية انسان
ص٤٧٦-٤٧٨
للباحث بلال غلام حسين
#دليل_عدن_السياحي