مليون ريال سعودي قيمة «عسل» العليمي في زمن الظلام.. بينما يغرق الجنوبيون في أزمات الكهرباء والرواتب

النقابي الجنوبي/خاص
فجّرت وثائق رسمية مسرّبة جرى تداولها على نطاق واسع حالة من الغضب والاستياء، بعدما كشفت عن إنفاق مئات الملايين من الريالات على بنود مرتبطة بمكتب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في وقت يواجه فيه ملايين المواطنين أوضاعاً معيشية متدهورة وانهياراً اقتصادياً غير مسبوق.
وبحسب الوثائق المتداولة، فإن إجمالي المبالغ المطلوب صرفها بتوجيهات صادرة عن الرئاسة تجاوز 642 مليون ريال يمني، توزعت بين نفقات سفر رسمية ومبالغ ضخمة صُرفت تحت بند «قيمة عسل»، ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق وإدارة المال العام في ظل الأزمة الخانقة التي تعصف بالبلاد.
تفاصيل الإنفاق
وتُظهر الوثيقة الأولى، المؤرخة في 19 أكتوبر 2025 والموجهة إلى رئيس الوزراء السابق سالم صالح بن بريك، توجيهاً بصرف مبلغ 150,650 دولاراً أميركياً، بما يعادل نحو 250 مليون ريال يمني، لتغطية تكاليف سفر رئيس مجلس القيادة الرئاسية والوفد المرافق له إلى جمهورية مصر العربية للمشاركة في افتتاح المتحف المصري الكبير.
أما الوثيقة الثانية، المؤرخة في 30 أكتوبر 2025، فتتضمن توجيهاً بصرف مبلغ 923,950 ريالاً سعودياً لصالح مؤسسة «المذاق الشافي» تحت بند «قيمة عسل»، وهو ما يعادل نحو 392 مليون ريال يمني
الملايين يواجهون الجوع والانهيار
ويأتي الكشف عن هذه المبالغ في وقت تشهد فيه البلاد تراجعاً حاداً في قيمة العملة المحلية، وتدهوراً مستمراً في الخدمات الأساسية، وانقطاعات واسعة للمرتبات، بينما يكافح ملايين المواطنين لتأمين احتياجاتهم اليومية في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة.
وتكتسب هذه الأرقام حساسية أكبر في المحافظات الجنوبية، حيث يعيش المواطنون منذ سنوات تحت وطأة أزمات خدمية ومعيشية متفاقمة، يتصدرها الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي لساعات طويلة، وتدهور خدمات المياه والصحة، وتعثر صرف المرتبات في عدد من القطاعات، فضلاً عن الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للأسر.
ويرى مراقبون أن الكشف عن إنفاق مئات الملايين على بنود لا ترتبط بشكل مباشر بمعالجة الأزمات المعيشية والخدمية يضاعف من حالة السخط الشعبي، خصوصاً في ظل المطالبات المتكررة بتوجيه الموارد نحو الكهرباء والخدمات وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
ردود فعل غاضبة
الناشط السياسي صلاح بن لغبر علّق على الوثائق قائلاً: «رشاد اشترى عسل بمليون ريال سعودي على حساب الحكومة، أي ما يعادل نحو 392 مليون ريال يمني، وهذا المبلغ يوازي رواتب آلاف المعلمين. والمبلغ الآخر، البالغ 150 ألف دولار، صُرف ليوم واحد في مصر، بينما الشعب يواجه أوضاعاً معيشية وإنسانية قاسية. كم من الأسر المحتاجة كان يمكن أن تستفيد من هذه الأموال؟».
من جانبه، وصف الصحفي فؤاد جباري ما ورد في الوثائق بأنه: «فساد يزكم الأنوف في مكتب رشاد العليمي، فمبالغ ضخمة تُصرف على بنود لا تمثل أولوية لمواطن يواجه الغلاء وتدهور الخدمات وانهيار القدرة الشرائية».
أما المحلل السياسي ياسر اليافعي فاعتبر أن ما ظهر في الوثائق لا يمثل سوى جزء محدود من ملف أوسع، قائلاً: «رشاد العليمي جزء من منظومة فساد أوصلت البلاد إلى هذا الواقع، وما وثيقة صرف فاتورة عسل بمليون ريال سعودي إلا قطرة من بحر فساد أكبر يشمل ملفات نفط وإعفاءات وصفقات نفوذ وبيعاً للقرار والسيادة. لكن هذا الفساد لا يُفتح بجدية، لأن المعركة تُدار بانتقائية وتُوجَّه غالباً ضد الانتقالي فقط. كنا نأمل أن تتبنى السعودية برنامجاً حقيقياً لكشف الفساد على الجميع حتى يصدق الناس أن هناك مرحلة جديدة تقوم على الشفافية لا على تصفية الحسابات».
وفي السياق ذاته، دعت رئيس قطاع الإعلام في المفوضية الجنوبية لمكافحة الفساد بمحافظة لحج، هند العمودي، إلى فتح تحقيق عاجل في الوثائق المتداولة وكشف الحقائق للرأي العام، متسائلة عن أسباب تجاهل ملفات إنفاق أخرى تمس المال العام.
أسئلة محرجة حول أولويات السلطة
وتعيد هذه الوثائق الجدل حول طبيعة الإنفاق في مؤسسات الدولة، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن عجز مالي متزايد وحاجة ملحة إلى الدعم الخارجي. وبينما يواجه المواطنون أعباءً معيشية متصاعدة، ويعاني أبناء الجنوب من أزمات كهرباء وخدمات ورواتب مستمرة، تثير هذه الأرقام تساؤلات حادة بشأن أولويات السلطة ومدى التزامها بترشيد الإنفاق وحماية المال العام.
ومع اتساع نطاق تداول الوثائق، تتزايد المطالب بفتح تحقيق شفاف يكشف حقيقة هذه النفقات والجهات المستفيدة منها، ويضع الرأي العام أمام إجابات واضحة بشأن كيفية إدارة الموارد العامة، وما إذا كانت أولويات الإنفاق تنسجم مع حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون، أم أنها تعكس اتساع الفجوة بين السلطة والشارع في واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية صعوبة.