اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

المكونات المستنسخة ورهان الانبطاح: محاولات سعودية يائسة لشرعنة حوار “الفيدرالية” عبر قيادات باعت التفويض الشعبي بالريال

تفيض الروح بمرارة لا تداويها الأيام حين تمسي الخيانة منهجا يستطيل بظله على هامات الشعوب الصابرة، وحين تتحول يد الشقيق إلى خنجر يطعن في الظهر والناس في غمرة الانتشاء بنصر عزيز، فما كان من السعودية في مطلع شهر يناير المنصرم إلا أن اجترأت على المباغتة والغدر في لحظة كان ينبغي أن تكون فاتحة عهد من الطمأنينة والأمن، فبعد أن سكب المقاتل الجنوبي دمه في فيافي حضرموت وصحاري المهرة مطهرا إياها من دنس بقايا الاحتلال اليمني.
وبعد شهر كامل من إنجاز هذا التحرير العظيم الذي لم يترك لفلول البغي موطئ قدم فيها انقض الطيران السعودي بقصفه الغاشم على القوات المسلحة الجنوبية حاصدا مئات الأرواح من خيرة الشباب والرجال، ومخلفا وراءه جراحا لا تبرأ وأضعاف القتلى من المصابين الذين باتت أوجاعهم تشهد على نكوص الجار عن عهود الجوار، ولم تكتفي الرياض بهذا الجرم المشهود بل عمدت إلى إعادة الاحتلال اليمني مرة أخرى إلى تلك المحافظات ببرود سياسي مستفز، وكأنها أرادت أن تكسر إرادة الجنوبيين بضربة قاصمة تمحو بها طعم الانتصار وتبدله بمرارة الهزيمة والانكسار، ثم وبذات المنطق الذي يفتقر إلى الحياء والضمير سارعت السعودية عقب هذه المجزرة مباشرة إلى دعوة الجنوبيين لعقد حوار جنوبي جنوبي في رحابها، مستغلة حالة الضعف والإنهيار الوجداني الذي أحدثه عدوانها في صفوف الشعب الجنوبي، وهي التي صمتت طوال سنوات خلت حين كان الجنوبيون أحوج ما يكونون إلى كلمة تجمع شملهم وتداوي فرقتهم، فلم تحرك ساكنا حين كان المجلس الانتقالي في ذروة قوته وتمكينه وسيطرته ولم تدعوا لاي حوار جنوبي لأنها تدرك يقينا أن منطق الحوار الذي يتم في ظلال الضعف واليأس والخيبة يؤتي ثمارا ذليلة تختلف جملة وتفصيلا عن تلك التي تنبت في تربة القوة والنصر والتمكين، فكانت مقامرتها تراهن على انحناء الهامات أمام هول الفاجعة.

غير أن وعي الشعب الجنوبي صدم حسابات المخططين وكسر قواعد اللعبة السياسية اللئيمة برفض قاطع لهذه الدعوة المشبوهة، إذ لم يكن هذا الرفض نابعا من مجرد شعور بالضعف والظلم فحسب بل ومن يقين وطني راسخ بأن الساحة الجنوبية ليست في حالة خصام تستوجب حوارا جديدا، فالمكونات التي كانت تتواجد قديما رغم هشاشتها وغياب تأثيرها الجماهيري على الساحة الجنوبية كانت قد حزمت أمرها وانضمت طواعية وبكل شفافية إلى مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي في لقاء تشاوري شامل شهدته عدن في منتصف عام 2023، حيث ذابت تلك الكيانات في الكيان الأم وأعلن قادتها الانضمام والشراكة الكاملة مع المجلس الانتقالي الجنوبي وتوحيد الصفوف متخذين مواقع قيادية عليا فيه، فغدا الناس في ذهول من أمر هذه الدعوة السعودية التي تطلب حوارا بين متفقين وتلتمس صلحا بين موحدين وغير مختلفين، فرأى الشعب في هذا المسلك التفافا خبيثا على تطلعاته وغايات لا تخدم إلا أجندات الوحدة مع الشمال، ولما فشلت الرياض في تقديم مبرر واحد يستسيغه عقل أو يقبله منطق يفسر جدوى هذا الحوار المزعوم الذي تتبناه في ظل هذا التلاحم الوطني والالتفاف الشعبي الفريد، انتقلت إلى طور جديد من المؤامرة يتمثل في محاولة تفكيك المجلس الانتقالي من الداخل، فعمدت إلى دعم قادة تلك المكونات الذين ارتضوا لأنفسهم البقاء في أراضيها منذ مطلع العام، محاولة نفخ الروح في جثث سياسية هامدة كان الأحرى بها أن تظل في قبورها التاريخية بعد أن أعلنت انحلالها الكامل بانضمامها للمجلس الانتقالي، واليوم نرى الأموال السعودية تتدفق والسياسة تسخر لإعادة إحياء هذه المكونات الميتة قسرا لكي تجد الرياض مبررا واهيا لوجود أطراف متباينة تستحق الحوار، في مفارقة عجيبة تثير السخرية والأسى معا.

إذ كيف لهؤلاء القادة الذين أرسلهم القائد عيدروس الزبيدي ضمن وفد كبير الى الرياض استجابة لطلب الحوار الذي دعت اليه السعودية أن يسقطوا في فخ إعلان حل المجلس الانتقالي من الرياض فور وصولهم اليها، وهم يدركون أن حل المجلس يعني بالضرورة حل مكوناتهم التي صارت جزءا لا يتجزأ من كيانه، فكيف يحلون ما انضموا إليه ثم يبعثون ما قتلوه بأيديهم مرتين، مرة يوم اعلان الانضمام للمجلس الانتقالي ومرة يوم الغدر بالعهد واعلان بيان حله من الرياض، فالسعودية تحاول بصلافة واضحة فرض واقع جنوبي مهلهل لا يرضي إلا طموحاتها في فرض الفيدرالية مع الشمال، وتلك النتيجة التي لم ترق لها حين صاغها الجنوبيون في حوارهم الوطني الصادق والنابع من إرادتهم الحرة في عدن في منتصف عام 2023، حيث تريد الرياض حوار جنوبي ينطلق من منكسرين ليوقعوا على وثيقة استعباد جديدة تحت مسمى الفيدرالية مع الشمال، متناسية أن قرار حل المجلس الانتقالي أو تقرير مصير الجنوب هو ملك حصري للشعب الجنوبي وحده الذي فوض قيادته ولا يملكه فرد ولا دولة مهما بلغت سطوتها، والشعب الذي يرفض الحوار مع المنبطحين والخونة والمرتزقة الذين تحركهم الأموال والوعود من خارج الحدود لن يقبل أبدا أن يساق إلى فيدرالية مع الشمال بصناعة جنوبية محضة، فمنطق الأشياء يقول إن أي اتفاق جنوبي يجب أن يكون على الاستقلال والسيادة حتى في أحلك الظروف والهزائم، أما أن يتفق الجنوبيون فيما بينهم على الفيدرالية مع الشمال وعلى التنازل عن قضيتهم قبل أن يضعوا أقدامهم على طاولة التفاوض مع الشماليين، فهذا انتحار سياسي وخيانة عظمى لا تغفرها الأجيال، فإذا كان الجنوبي قد يقبل بنتائج حوار شاق مع الشمال يفضي إلى حلول سياسية معينة مثل الفيدرالية فإنه لن يقبل أبدا أن تكون تلك الحلول هي سقف طموحه في حواره مع أخيه الجنوبي، ولن يرضى بأن تصاغ الفيدرالية في غرف الرياض الموصدة لتكون قيدا يطوق عنق الوطن الجريح باسم الحوار المزعوم.

زر الذهاب إلى الأعلى