عدن بين “الإخلاء” و”التعزيز”: من يعيد تشكيل الخريطة العسكرية داخل العاصمة؟

النقابي الجنوبي/تقرير/ هشام صويلح
تتحرك عدن بين اتجاهين متوازيين ظاهريًا، لكنهما متعارضان في الجوهر: خطة معلنة لإخراج القوات العسكرية والمعسكرات من داخل المدينة، مقابل تدفق مستمر لتعزيزات عسكرية إليها. هذا التداخل لا يفتح باب التساؤل فقط، بل يكشف عن إشكال أعمق في إدارة العلاقة بين الانتشار العسكري والضبط الأمني داخل العاصمة.
منذ مطلع عام 2026، لم تتوقف التحركات العسكرية. وكان آخرها وصول تعزيزات من وحدات عسكرية قادمة من خارج عدن، دون إعلان يوضح طبيعة مهامها أو نطاق انتشارها، وهو ما يضيف طبقة من الغموض في مشهد يُفترض أنه يتجه نحو تقليص الوجود العسكري داخل النطاق الحضري.
في الاتجاه المقابل، أعلنت السلطة المحلية، بالتنسيق مع التحالف – منذ 3 أشهر – خطة لإخلاء المعسكرات والتشكيلات العسكرية من داخل المدينة، وإعادة تموضعها خارج عدن، على أن تتولى الأجهزة الأمنية مهام حفظ الأمن داخل الأحياء السكنية.
لكن الوقائع على الأرض تعكس مسارًا مختلفًا؛ فالتعزيزات العسكرية مستمرة، وأنماط الانتشار تتجدد، ما يعني عمليًا استمرار وجود قوات عسكرية داخل المدينة، بالتوازي مع مهام الأجهزة الأمنية.
هذا التداخل يضع التنفيذ الفعلي في مواجهة مباشرة مع الهدف المعلن المتمثل في الفصل بين الدورين.
السؤال هنا يتجاوز الطابع الإجرائي: هل يجري تنفيذ إعادة تنظيم حقيقية تقوم على سحب القوات العسكرية من الداخل الحضري، أم أن عدن تُدار ضمن حالة مفتوحة تُبقي القوات العسكرية والأمنية في حالة تداخل مستمر دون حسم واضح للمهام؟
المشهد الحالي يوحي بازدواجية في إدارة الانتشار؛ مسار معلن يدفع نحو تقليص الوجود العسكري داخل المدينة، وآخر عملي يعيد نشر وحدات عسكرية بمهام غير محددة داخل نفس النطاق. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخلل في التفاصيل، بل في غياب عقيدة تشغيل واضحة تفصل بين المهام العسكرية القتالية والمهام الأمنية.
تجارب مدن أخرى أظهرت أن إبقاء القوات العسكرية الثقيلة داخل المدن لا يحقق استقرارًا مستدامًا، بل يربك عمل الأجهزة الأمنية، ويضاعف الضغط على منظومة الأمن، نتيجة تداخل الصلاحيات واختلاف طبيعة المهام.
في عدن، لا تزال الصورة غير مكتملة. فخطة الإخلاء العسكري لم تُحسم، والتعزيزات لم تتوقف. وبين المسارين، يبقى معيار الاستقرار الحقيقي مرتبطًا بخطوة واضحة: إخراج القوات العسكرية من داخل المدينة بشكل فعلي، مقابل تمكين الأجهزة الأمنية من إدارة الأمن الداخلي بشكل كامل ومنظم.