عدن تحت حرّ الانطفاء.. وعود سعودية تتبخر وتعزيزات عسكرية تتقدّم

النقابي الجنوبي/تقرير/هشام صويلح
في الساعات الأولى من الصباح، حين يتراجع الحرّ قليلًا قبل أن يعود أكثر قسوة، تبدأ ريم — أمٌ لثلاثة أطفال في مديرية المنصورة — يومها بمحاولة إنقاذ ما تبقّى من الطعام قبل الانطفاء التالي الذي يُغرق البيت في عتمة تمتد لساعات طويلة. لم تعد تحتاج إلى ساعة تخبرها بموعد الانقطاع؛ جسدها بات يعرف الجدول القاسي: ست عشرة ساعة انقطاع مقابل ساعتين من التشغيل، وربما أقل. هكذا تعيش العاصمة عدن خلال الأسابيع الأخيرة، رغم سيل الوعود السعودية بتحسين الكهرباء ودعم الخدمات الأساسية.
ريم ليست وحدها في هذه المعاناة. ففي الشوارع والمجالس الشعبية والمنصات الرقمية، تتكرر الشكاوى نفسها حول أزمة كهرباء تحولت، بالنسبة لكثير من السكان، إلى ما يشبه العقوبة الجماعية. الناشطة “ونس” وصفت الواقع بقولها إن “ملف الكهرباء تحول إلى أداة تعذيب يومية، والناس ينامون تحت حر شديد، فيما يتحمّل الأطفال والمرضى وكبار السن العبء الأقسى”. كلماتها لا تبدو موقفًا سياسيًا بقدر ما تعكس يوميات مدينة أنهكها الانطفاء.
وعود سعودية تتبخر تحت حرارة عدن
منذ يناير 2026، صار فلاح الشهراني الوجه الأبرز للوعود السعودية في عدن. في لقاءاته المتتالية تحدّث مرارًا عن خطط الكهرباء، مقدّمًا وعودًا بالتحسن. وربما لم تسمع ريم باسمه، شأنها شأن كثيرين، لكن السكان يقيسون الأمور بما يعيشونه لا بما يُقال في التصريحات. ومنذ يناير وحتى مايو، لم يتغيّر في عدن سوى اتساع ساعات العتمة.
عبدالقادر القاضي لخّص المشهد بقوله إن الوعود السعودية بشأن تحسين الكهرباء “تبخرت”، بعدما وصلت ساعات الانقطاع إلى ست عشرة ساعة يوميًا، مقابل تشغيل محدود لا يتجاوز الساعتين. وبرأيه، لا تتوقف الفجوة عند ملف الكهرباء فقط، بل تمتد إلى ملفات أخرى بقيت معلّقة، بينها إخراج المعسكرات من داخل المدينة وتحويل مواقعها إلى مرافق مدنية.
وتبدو الصورة، كما يراها الإعلامي محمد ناصر الشعيبي، أوسع من مجرد أزمة كهرباء. فالسكان في عدن وبقية المحافظات الجنوبية يواجهون تراجعًا متزامنًا في الخدمات الأساسية، من المياه والكهرباء إلى الوقود والرواتب والرعاية الصحية. لذلك لم يعد ما يحدث يُقرأ كخلل عابر، بل كحالة إنهاك ممتدة تضرب تفاصيل الحياة اليومية.
تعزيزات عسكرية بدل الخدمات
وسط هذا الوضع المعيشي الصعب، أثارت التحركات العسكرية الأخيرة داخل عدن كثيرًا من التساؤلات، بعدما رصد السكان وصول قوات جديدة مدعومة سعوديًا، في وقت كان الشارع ينتظر حلولًا تخفف أزمة الكهرباء مع دخول فصل الصيف.
الناشط السياسي ياسر اليافعي علّق قائلًا: “كان الناس ينتظرون وقودًا ومولدات تخفف عنهم حرّ الصيف، لا وصول مواكب مدرعات وأطقم”. وبالنسبة لكثيرين، فإن هذه الصورة وحدها تكشف اختلالًا حادًا في ترتيب الأولويات داخل المدينة.
أما المواطن أبو نواف الناخبي فاختصر المشهد بجملة بدت أقرب إلى صرخة غضب: “عدن تحتاج كهرباء وخدمات، لا مزيدًا من القوات.”
الخدمات في عدن.. أزمة أم سياسة؟
ومع اتساع الغضب الشعبي، بدأ توصيف الأزمة يتجاوز حدود الإخفاق الفني أو الإداري. الصحفي أرسلان السليماني يرى أن ما يجري يعكس “سياسات أزمات”، في إشارة إلى الدور السعودي في إدارة المدينة، مضيفًا: “ما يحدث ليس إخفاقاً عابراً، بل نتيجة مباشرة لسياسات الهيمنة والابتزاز وإدارة الأزمات بعقلية الوصاية.”
المحلل السياسي صالح أبو عوذل يذهب في الاتجاه ذاته، معتبرًا أن جذور الأزمة ترتبط بطبيعة إدارة السلطة للمدينة. ويقول: “المسؤول الذي يسخر كل جهده لشراء الذمم، ويترك الناس بلا خدمات، ليس مسؤولاً طبيعياً، بل نموذج لسلطة ترى في السياسة مؤامرات ومكايدات أكثر مما تراها مسؤولية تجاه المواطنين”.
وفي السياق نفسه، لخّص المواطن أحمد العيدروس شعورًا يتكرر كثيرًا في أحاديث الشارع بقوله: “يدعمونا بوسائل الموت ويرفضون دعمنا بوسائل الحياة.” وهي عبارة تختصر، بالنسبة لكثيرين، حجم الهوة بين ما تحتاجه عدن فعليًا وما يصل إليها على الأرض.
عدن في انتظار ما لا يأتي
ما تعكسه شهادات سكان عدن اليوم يتجاوز أزمة الكهرباء أو تراجع الخدمات. فالأزمة الأعمق تبدو مرتبطة بثقة تتآكل تدريجيًا بين السكان والجهات التي تدير شؤون المدينة. فلاح الشهراني، المسؤول السعودي المشرف في عدن، يجمع بيده ملف الخدمات وملف القوات، بينما يرى الناس مشهدًا مختلفًا على الأرض: التعزيزات العسكرية تصل تباعًا، في حين تبقى شحنات الوقود غائبة، وتستمر ساعات الانطفاء بالتمدد.
مسؤول تعرف قواته طريقها إلى عدن أسرع مما تصل إليها الكهرباء، لن يكون قادرًا بسهولة على إقناع السكان بأن الوعود ما تزال قائمة.
وحين قالت ونس إن الكهرباء تحولت إلى “أداة تعذيب يومية”، لم تكن تبالغ. فحرّ الانطفاء بات المشهد الأكثر حضورًا في مدينة تنتظر الخدمات، فتصلها المدرعات.