اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

جواسيس في السعودية.. قصة قصيرة من الأدب الواقعي

كتب/محمد عباس ناجي الضالعي

معلومات وصلت إلى قيادة الدولة في عدن عما تقوم به السلطات السعودية من أعمال موجهة ضدها، جعلها تتخذ قراراً بتجنيد ثلة من الأشخاص وفقًا لمعايير استثنائية ودقيقة: التعليم، الإخلاص، الشكل الجسماني، سنوات العمر، ألا يكون متزوجًا… إلخ، للعمل كجواسيس لها في السعودية، وتوفير مدرب لهم بدرجة خبير من جمهورية ألمانيا الشرقية.

بدأ الخبير محاضراته للمجموعة بتعريفهم بالتاريخ السعودي، العادات والتقاليد، تركيبة المجتمع، وغيرها من المعارف النظرية المتعلقة بهذه الدولة.. لكي تكون هذه المجموعة مفيدة لبلدها وقادرة على الوصول إلى أهدافها المبتغاة، قام الخبير بتعليمها وتدريبها على إجادة عدة مهن حرفية شاقة وسهلة يتطلبها المجتمع السعودي، إضافة إلى كيفية كتابة التقارير، طرق إرسالها، الجهة التي سيستلمون تعليماتهم منها.
بعد عدة أشهر من التدريبات والاختبارات النظرية والعملية الشاقة للمجموعة في عدن قرر المدرب إرسالهم في مهام تطبيقية في بقية مدن البلاد الهامة التي تشابه الحياة فيها مدن السعودية إلى حد ما.
اجتمع بكل واحد منهم بشكل منفرد، سلم له لائحة بالمهام المسندة له، ألزمه بحفظها عن ظهر قلب، أوهمه أن ما سيقوم به هي مهام جادة وخطيرة تهم أمن الدولة والوطن، نجاحه فيها يتوقف عليه مستقبله المهني، سلم لكل واحد منهم مسدسًا حديثاً، كيفية الاحتفاظ به، حالات استخدامه المسموح بها.

سيف حسن الحدي، كُلف بالذهاب إلى مدينة المكلا، حددت له مكان إقامته، مهمته تتركز في مراقبة ما يجري في ميناء المكلا، نشاط الصيادين وقواربهم كجهات تتهم بأنه يتم التهريب عبرها، معرفة الأوقات التي يعود فيها الصيادون من رحلات الصيد إلى شاطئ المكلا، أساليب بيعهم لمحصولهم من الأسماك، الأوقات التي عادة يكون فيها الشاطئ مزدحماً بالمواطنين الباحثين عن نسمات البحر العليلة – رجال ونساء وأطفال.

منذ أول يوم عملي لسيف في مدينة المكلا حرص على مراقبة ما يجري في الميناء والشاطئ.. ذات يوم عندما بدأت الشمس تتجه نحو الغروب سار على الشاطئ حاملاً في يده حقيبة صغيرة، بنية اللون، يخفي فيها مسدسه، بينما هو يسير على الشاطئ رأى شابة واقفة، ترتدي ملابس متواضعة، قوامها بديع، بشرتها سمراء، عيناها واسعتان، سحرت لبه.. فجأة تذكر تعليمات مدربه أن النساء الجميلات عادة يكن أفضل المصائد للجواسيس، واصل سيره وهو ينظر إليها، تعثرت قدمه بحبل أحد القوارب، وقع أرضاً، اصطدم ذراعه الأيمن بحجر، صرخ بأعلى صوته، الحقيبة التي في يده فلتت منه، هرع الناس نحوه بأعداد غفيرة، أدرك أن ذراعه انكسر، لم يهتم بما حل به، حقيبته أكثر أهمية لديه، سأل من كانوا حوله إذا رأوا حقيبته، بحثوا عنها، دون جدوى.. نقل إلى المستشفى، أجريت له الإسعافات الأولية، قرر الطبيب تمديده.. باله منشغل في الحقيبة، عزم على الهروب من المستشفى للبحث عنها، لم يجد الفرصة المناسبة.

كانت الشابة التي تقف في الشاطئ قد سمعته وهو يطلب من الحضور البحث عن حقيبته، تذكرت أنها رأت فتى تعرفه جيدًا وهو يخفي شيء ما في أعلى مئزره، لم تستبعد أنه هو الذي سرق الحقيبة، لم يكن الوقت يسمح لها بالبحث عنه، ملزمة بانتظار والدها الذي سيعود في أية لحظة من البحر لتساعده في بيع محصول رحلته البحرية.

ما إن وصل الفتى السارق إلى منزل أسرته حتى بدأ بتفتيش الحقيبة، وجد فيها مسدساً، مبلغاً مالياً صغيراً، قصاصات ورق صغيرة مكتوب عليها كلمات لم يستوعبها، بطاقة شخصية تدل أن صاحب الحقيبة يعمل في جهاز الأمن، أدرك أنه وضع نفسه في موقف خطر، أخفى الحقيبة جيداً حتى لا يعثر عليها أحد من أفراد أسرته.
بعد أن أنجزت الشابة مهمتها قصدت منزل أسرة ذلك الفتى، نادته للخروج لمقابلتها، همست له بصوت منخفض:
_ أين الحقيبة التي أخذتها من الشاطئ؟
_ لم أخذ أية حقيبة.
_ أنا شاهدتك وأنت تخفيها تحت مئزرك.
_ أنتِ تتوهمين.
استدار نحو منزل أسرته مبدياً تجاهله لها، قبضت على ساعده الأيمن بكل قوتها، حاول الفكاك من قبضتها، رفعت السكين التي بحوزتها، أقسمت أنها ستضربه بها إذا لم يسلمها الحقيبة، ارتعب من تصرفها، نظر إليها:
_ إذا سلمتُ الحقيبة لكِ تتعهدين لي أنكِ لن تخبري الشرطة عني؟
_ أتعهد لك.
سلمها الحقيبة، وهي تسير نحو المستشفى فتشتها، أحدقت بصورة صاحبها، أعجبت بها، ما تحتويه الحقيبة جعلها تتيقن أنه شخص هام، ولجت إلى الحجرة التي يرقد فيها سيف، سلمته الحقيبة، سارع إلى تفتيشها، سر بوجود مسدسه فيها، نظر نحو الشابة، تذكر أنها سبب تعثره وانكسار ذراعه، تبسم، سألها:
_ أين وجدتِ الحقيبة؟
_ ليس لدي وقت لأشرح لك.. هل هناك شيء ناقص منها ؟
_ كلا.
_ مع السلامة.
_ لو تسمحين ما هو اسمكِ؟
_ سعاد عبدالرحمن.
_ شكرًا لكِ.
بعد ثلاثة أيام سمح له الطبيب بمغادرة المستشفى على أن يعود إليه بعد أسبوعين للتأكد من وضعه الصحي.. في اليوم التالي قبل غروب الشمس قصد الشاطئ للبحث عن الشابة سعاد، ما تزال يده مغطاة بمادة الجبس، رأها تتحدث مع أحد الصيادين، اقترب منهما:
_ السلام عليكم.
رد عليه الصياد:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لبوثه واقفاً بجانبهما لفت انتباه الصياد:
_ تفضل.. هل من خدمة نقدمها لك؟
_ كلا.. ولكن أود أن أعبر عن شكري للأخت سعاد.
_ على ماذا؟
تريث في الرد، فجأة اعتذر الصياد منهما، زملائه ينادونه للصعود على قارب رحلته البحرية.. عرض سيف على سعاد أن يبتعدا قليلاً عن الزحام البشري حتى يتمكن من الحديث إليها على انفراد.. اعتذرت منه كونها تنتظر وصول قارب والدها، أخبرته أن بإمكانه أن يقول ما يرغب فيه، التزم الصمت

بغتة توجهت سعاد لاستقبال قارب والدها، شاهدها وهي تقوم باستلام حيتان السمك منه، تحملها وتضعها على طاولة حديدية، وقفت إلى جانب والدها وهو يبيع بعض الحيتان على الزبائن، تقوم هي بتقطيع بعضها لبيعها على المواطنين الذين يرغبون في شراء القليل من السمك.. أضحت لديه أول معلومات عنها.
تكررت لقاءاتهما بصورة شبه مستمرة، أضحى أكثر جرأة على الحديث معها، تعرف على والدها، أصوله تعود إلى يافع.

ذات ليلة وجدها تجلس في الشاطئ، جلس بالقرب منها، همس لها أنه يحبها، أظهرت سخريتها من قوله، هو موظف مهم، هي مجرد ابنة صياد فقير، ظنت أنه يرغب التسلي بها فقط، حاولت النهوض لتبتعد عنه، قبض على ساعدها بقوة، قبضت على السكين التي عادة تقطع بها السمك، أقسمت أنها ستضربه بها إذا اقترب منها مرة أخرى، ولت بعيداً عنه، تصرفها الحازم معه جعله يغرم بها أكثر.
ذات مساء بينما كانت سعاد تتناول طعام العشاء مع والدها سمعا طرقات على باب منزلهما، بادرت هي إلى فتح الباب، بهتت مما رأت، سيف يقف أمامها، همست له:
_ ماذا تريد.. ماذا أتى بك؟
رد عليها متعمداً بصوت قوي :
_ أود مقابلة والدكِ.
_ تفضل يا أبني أدخل.. أهلاً وسهلاً بك.. اجلس.. هل من خدمة أقدمها لك؟
غابت سعاد عنهما، سمعته يقول لوالدها:
_ أتيتُ لأطلب منك يد ابنتك سعاد يا عمي.

تفاجأت مما قاله، والدها عجز عن الرد.. هي ابنته الوحيدة، هي التي تخدمه بعد وفاة والدتها، بعد برهة قصيرة أدبر والدها إلى حجرتها، سألها عن رأيها في طلب سيف، لم ترد على سؤاله، تعهدت بأن تثبت له أن الخاطب لها غير صادق فيما يقوله، ولجت إلى الغرفة التي يجلس فيها الخاطب وهي عازمة على جعله يتخلى عن فكرة زواجه بها، تلت عليه شروطاً تعجيزية وكثيرة، بما فيها أن يتزوج بها إلى منزل والدها.. شروط لا يمكن لأحد القبول بها مقابل موافقتها عليه.. والدها نفسه أندهش لشروطها الغير معقولة، ظناً أنه لن يقبل بتلك الشروط المجحفة، فاجأهما بموافقته على كل شروطها، جعلها في موقف لا تحسد عليه، غادرت الغرفة، سرعان ما عادت إليها، وقفت أمامه وجسمها يرتجف:
_ إذا طلبت منك أن تقسم بالله أنك ستصارحني بالسبب الحقيقي الذي دفعك لطلب الزواج بي.. هل ستفعل؟
_ أقسم بالله أن سبب طلبي الزواج بكِ هو أنني أحبكِ، ولا يمكنني العيش بدونكِ.
غابت عنه لبضع دقائق، عادت إليه وهي تحمل بين يديها كوب شاي، ابتسامة مشرقة تنبعث من بين شفتيها، بما يدل عن رضاها نحوه.
قبل أن يتزوج سيف بسعاد عاد إلى عدن ليبلغ قيادة الأمن ومدربه الألماني أنه تخلى عن وظيفته كونه قرر أن يتزوج، سيسكن في مدينة المكلا، سيعيد لهم مسدسه.. ضحك مدربه مما يقوله:
_ ماذا يضحكك؟
_ قرارك بالزواج صائب جداً.
_ كيف؟
_ وجود زوجتك وعمك معك يسهل من مهمتك العملية في السعودية.
_ كيف.. أشرح لي؟
_ سنجعل منك رجل أعمال شهير، زوجتك سنخضعها لتدريب مكثف كيف تصبح زوجة رجل أعمال هام، من خلال ذلك يمكنها تكوين علاقات صداقة قوية مع زوجات كل الشخصيات المستهدفة.. عمك سيختصر دوره كمحرم لزوجتك فقط أثناء تحركاتها خارج منزلك.. هل فهمت ؟
_ نعم فهمت.
_ سيكون اسم مجموعتكما ١٤.
_ يشرفنا أن نحمل هذا الرقم العظيم.
_ كلكم ستحملون جوازات الجمهورية العربية اليمنية.. أنت وزوجتك كل واحد منكما سيكون له رقم سري، واسم مستعار، هما اللذان سيدونا على ملفه الشخصي لدى مؤسستكما وليس اسمائكما الحقيقية.. مفهوم.
_ مفهوم.

بعد مضي فترة على نشاط هذه المجموعة تمكنت من تحقيق كثير من النجاحات بما فيها اختراق الديوان الملكي السعودي.. عند قيام الوحدة بين غبي عدن وغبي صنعاء عام ١٩٩٠م، عُُرضت عليهما فكرة العودة إلى وطنهما لإستلام حقوقهما، لكنهما فضلا البقاء في السعودية على إنكشاف شخصيتيهما

زر الذهاب إلى الأعلى