اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

كيف نمنع مرة أخرى اختطاف الدين وتحويله إلى سلاح في صراعات السلطة؟

 

هاني مسهور

لم يكن ما حدث مع المشروع الإيراني مجرد صدام عسكري عابر، بل لحظة سقوط نموذج أيديولوجي عاش لعقود على استثمار الدين في مشروع توسعي، لكن الحقيقة التي يجب قولها بلا مواربة أن هذا الوحش لم يولد فجأة، لقد نشأ وتغذّى في ظل سياسات خاطئة واسترضاء طويل سمح لإيران ووكلائها بالتمدد حتى تحولت شبكاتهم إلى أخطر أدوات الفوضى في المنطقة.

لسنوات طويلة، قيل إن احتواء إيران أو فتح قنوات التفاهم معها قد يخفف من نزعتها التوسعية، لكن التاريخ أثبت أن الأيديولوجيات لا تُروَّض بالمهادنة، كل تنازل كان يُقرأ في طهران بوصفه ضعفًا، وكل مساحة تُمنح كانت تتحول إلى منصة جديدة للنفوذ.

وهكذا كبرت الميليشيات التي أنشأها المشروع الإيراني، لا لتقاتل خارج حدود العالم العربي كما زُعم، بل لتوجّه سلاحها أولًا إلى العواصم العربية نفسها، من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء، وصولًا إلى محاولات ضرب أمن الخليج، وكأن المشروع الذي رفع شعارات الدفاع عن الأمة لم يجد في النهاية إلا العرب هدفًا أول.

لكن الأخطر من السلاح كان اختطاف الدين، فقد جرى تحويل العقيدة الإسلامية السمحاء إلى أداة تعبئة سياسية، واختُزلت الرسالة الإسلامية في شعارات صراع دائم، لم يعد الدين مساحة للأخلاق والروحانية، بل تحول إلى وقود أيديولوجي يغذي الحروب.

غير أن هذا الاختطاف لم يكن حكرًا على إيران وحدها.،فالمشهد الإسلامي خلال العقود الماضية شهد أيضًا نسخة أخرى من الأدلجة الدينية، جماعة الإخوان المسلمين حاولت بدورها تحويل الدين إلى مشروع سلطة، فيما وفّرت بعض التيارات المتشددة التي نشأت في بيئة الخطاب الوهابي أرضية فكرية غذّت فكرة احتكار الحقيقة الدينية، وبين هذين المسارين، وجد العالم الإسلامي نفسه أسير دين مسيّس من كل الاتجاهات.

والنتيجة واضحة .. تحولت الرسالة التي يفترض أن تكون مصدرًا للرحمة والعدل إلى راية في صراعات سياسية، لذلك فأن اليوم، ومع الهزيمة العسكرية المذلة التي يتعرض لها المشروع الإيراني، تتشكل لحظة تاريخية لا ينبغي إضاعتها، فالمسألة ليست فقط نهاية مرحلة سياسية في طهران، بل نهاية مرحلة كاملة من توظيف الدين في مشاريع الهيمنة.

هذه اللحظة يجب أن تتحول إلى معركة فكرية موازية، معركة هدفها إعادة الدين إلى مكانه الطبيعي، مرجعية أخلاقية وروحية للمجتمع، لا أداة في يد جماعات تبحث عن السلطة، فالإسلام الذي شكّل إحدى أعظم الحضارات في التاريخ لا يمكن أن يبقى رهينة لمليشيات أو تنظيمات أيديولوجية.

تجديد الخطاب الديني اليوم لم يعد خيارًا فكريًا أو ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية، ضرورة لتحرير الدين من الذين اختطفوه باسم الثورة أو الخلافة أو أي شعار آخر.

فالهزيمة العسكرية للمشروع الإيراني قد تكون بداية النهاية لمرحلة من الفوضى، لكنها لن تكون كافية ما لم ترافقها ثورة فكرية تعيد للدين معناه الحقيقي.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس فقط: من سيحكم إيران بعد هذه الحرب؟، بل السؤال الأهم .. كيف نمنع مرة أخرى اختطاف الدين وتحويله إلى سلاح في صراعات السلطة؟

زر الذهاب إلى الأعلى