4 مايو.. يوم بايع فيه الجنوب قلبه، وجدّد فيه العهد لسفينة النجاة

الملازم / إياد العبيدي
في الرابع من مايو، لم يكن التاريخ يكتب يوماً عادياً.
كان الجنوب كله يتنفس من رئة واحدة، ويهتف بقلبٍ واحد، ويكتب بدم الشهداء سطراً في كتاب الخلود: “فوّضناك.. فسِر بنا”.
ذلك اليوم، لم يكن تفويضاً لرجل. كان تفويضاً لحلم.
كان عهداً قطعناه على أنفسنا، نحن شعبٌ ذاق القهر، أن لا نعود إلى باب اليمن مطأطئين.
كان قسماً بأن السفينة التي أبحرت من دماء 94، ومن جراح 2007، ومن ملاحم 2015، لن تغرق ما دامت فينا عينٌ تطرف.
1. لماذا 4 مايو؟ لأنه كان يوم الخروج من التيه
قبل ذلك التاريخ، كنا أيتاماً على موائد اللئام.
قضية بلا رأس، وتضحيات بلا عنوان، ودماء تسيل كل يوم في الفراغ.
كان العدو يراهن على شتاتنا. كان يقول: “الجنوبيون لا يجتمعون على رجل”.
فجاء 4 مايو صفعةً على وجه الرهان.
خرجت عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وشبوة، وحضرموت، والمهرة، وسقطرى.. خرجت الساحات تموج كالبحر، ولسان حالها:
“هذا قائدنا.. وهذه رايتنا.. وهذا طريقنا. فمن شاء فليبحر معنا، ومن أبى فليتنحّ عن طريق الطوفان”.
في ذلك اليوم، صار للدم عنوان. وصار للحلم قبطان. وصار للسفينة بوصلة اسمها: عيدروس الزُبيدي.
2. التفويض لم يكن شيكاً على بياض.. كان دماً على بياض
حين فوّضنا عيدروس، لم نفوّضه ليحكمنا. فوّضناه ليخدمنا.
لم نسلّمه رقابنا. سلّمناه أمانة الشهداء، ودموع الأمهات، وأحلام اليتامى.
قلنا له: هذه سفينة الجنوب، وأنت قبطانها اليوم.
بحرنا عاصف، وموجنا عالٍ، وقراصنة الشمال والعالم يتربصون.
لكننا معك. إن أصبت شددنا على يدك، وإن أخطأت قومناك بحد السيف، لا بخنجر التخوين.
فالعهد كان مع الجنوب أولاً، ومعك لأنك حملت رايته.
التفويض كان عقداً: نحن الوقود، وأنت الدفة. نحن الجند، وأنت القائد. نحن السهم، وأنت القوس.
فإن انكسر القوس، ضاع السهم. وإن ضاع السهم، ضاعت القضية.
3. تجديد العهد اليوم.. لماذا الآن؟
لأن السفينة اليوم في قلب العاصفة.
الريح تشتد، والموج يعلو، والجرذان تنخر في الخشب، وبعض الرفاق تعبوا، وبعضهم باعوا، وبعضهم صاروا يصوبون سهامهم إلى صدر القبطان بدل صدر العدو.
في مثل هذا الوقت، ينسى البعض لماذا صعدنا السفينة أصلاً.
ينسى البعض أن البديل عن هذه السفينة هو الغرق. هو العودة إلى باب اليمن عبيداً، بعد أن كنا على أبواب الحرية أسياداً.
فتجديد العهد في 4 مايو ليس احتفالاً. هو تذكير.
تذكير أننا أقسمنا أن لا نطعن بعضنا في ظهره والعدو أمامنا.
تذكير أن الخيانة ليست أن تختلف مع القائد، الخيانة أن تترك السفينة لأن الموج عالٍ.
تذكير أن الجنوب أكبر منا جميعاً.. أكبر من عيدروس، وأكبر من المجلس، وأكبر من كل المسميات.
نجدد العهد لا لنقدس الأشخاص. بل لنحصن المشروع.
فالقادة يرحلون، والرجال يموتون، أما الجنوب فباقٍ ما بقيت عدن والضالع.
4. رسالتنا في الذكرى: إلى القبطان، وإلى الركاب
أما أنت يا أبا قاسم:
الأمانة أثقل من الجبال. والشعب الذي فوّضك، فوّضك بدمه لا بحبره.
نعلم أن الحمل عليك تنوء به العصبة. ونعلم أن السكاكين كثيرة.
لكن تذكر: نحن معك ما دمت على العهد. ما دامت البوصلة جنوب. وما دام الشراع نحو الاستقلال.
إن عدلت، كنّا سيفك. وإن ملت، كنّا قوسك الذي يقومك. فلا تخشَ في الحق لومة لائم، ولا تشترِ رضا الناس بسخط القضية.
وأما أنتم يا شعب الجنوب، يا ركاب السفينة:
السفينة لا يغرقها الموج الخارجي بقدر ما يغرقها ثقبٌ من الداخل.
كفوا عن تخوين بعضكم. كفوا عن جلد قبطانكم في قلب العاصفة. النقد سيف، والتخوين خنجر مسموم.
اختلفوا، عارضوا، اصرخوا، لكن لا تكسروا المجداف وأنتم في عرض البحر.
من لم يعجبه القبطان، فليأتِ بأفضل منه في الميدان، لا في الفيسبوك.
ومن أراد النزول، فلينزل الآن.. قبل أن يثقب السفينة على رؤوسنا جميعاً.
الخلاصة: العهد هو العهد.. والسفينة ماضية
يا أبناء الجنوب،
في 4 مايو قلنا كلمتنا: “فوّضناك”.
واليوم نقولها من جديد، لا لشخص، بل لمشروع، لقضية، لحلم: “ماضون”.
ماضون رغم الجوع، رغم التآمر، رغم خناجر الإخوة، رغم تخاذل العالم.
ماضون لأننا نظرنا خلفنا فرأينا قبور الشهداء، ونظرنا أمامنا فرأينا عيون أطفالنا.. فلم نجد لنا إلا خياراً واحداً: أن نكمل الطريق.
4 مايو ليس تاريخاً نمجده.
4 مايو ميثاق نجدده. وعد نقطعه. قسم نبر به.
قسم أن لا نعود عبيداً، ولو أكلنا التراب.
قسم أن نصل بسفينتنا إلى بر الأمان، أو نموت واقفين على ظهرها.
عهداً علينا.. عهد الرجال للرجال.
السفينة لن تغرق، ما دام فيها شعبٌ اسمه الجنوب.