اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

من كان يمول شهداء 2007 يا “خبير المظاهرات”؟

هشام صويلح

في زمن تتداخل فيه الحقائق بالأكاذيب، يظل أخطر أشكال التضليل هو ذاك الذي يرتدي عباءة “الخبرة” و”المعرفة الميدانية”. مقال الصحفي أحمد الشلفي، الذي يعمل محررًا مسؤولاً عن الشؤون اليمنية في قناة الجزيرة القطرية، عن مظاهرات الجنوب ليس تحليلاً سياسيًا، بل هو نموذج كلاسيكي لمحاولة شطب إرادة شعب بأكمله، عبر خلط متعمد بين “الدعم الخارجي” و”الصنع الخارجي”، وبين “النقد المشروع” و”الإنكار المطلق”. هذا الرد ليس دفاعًا عن جهة سياسية بعينها، بل هو تفكيك لآلية خطابية تهدف إلى تجريد المواطن الجنوبي من صفته كفاعل في تاريخه.

يبدأ الكاتب ببناء تمثال له على مدخل مقاله: “أنا الصحفي المخضرم، أنا من غطى، أنا من كاد يموت”. هذا الأسلوب يهدف إلى إسكات القارئ قبل بدء النقاش. فمن يجرؤ على معارضة “خبير المظاهرات”؟ لكن الخبرة الحقيقية تقتضي التواضع أمام تعقيد المشهد، وليس الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة. إن تغطية مظاهرات الأمس لا تمنح الكاتب “براءة اختراع” على فهم مظاهرات اليوم، خاصة عندما تتغير المعادلات السياسية وتتبلور المشاريع الوطنية. استخدام السيرة الذاتية كترسانة إعلامية هو أول علامات الخطاب الواهن.

يتضمن المقال تناقضًا مدمرًا لبنائه المنطقي. يعترف الكاتب بأن “القضية الجنوبية عادلة ولها أنصار كُثُر”. ثم يبني حجته على أن هذه المظاهرات لا يمكن أن تكون شعبية لأنها تحتاج تنظيمًا وتمويلًا. السؤال المنطقي هنا: من هم هؤلاء “الأنصار” إن لم يكونوا هم ذاتهم الجماهير التي تملأ الساحات؟ هل الأنصار كيان أفلاطوني مجرد لا يظهر إلا في استطلاعات الرأي؟ أم أن الكاتب يعتقد أن “الأنصار” الحقيقيين يجب أن يظلوا في بيوتهم كي لا تطالهم تهمته بالارتباط بالإمارات؟ هذه ازدواجية معيارية خطيرة: عندما يخرج أنصار قضية ما في الشارع، فإما أن يُتهموا بأنهم “أدوات خارجية” إن كانوا لا يروقون للكاتب، أو يُحتفى بهم كـ “ثوار أحرار” إن كانوا يروقون له. المقياس هنا ليس الموضوعية، بل المزاج السياسي.

لكن التناقض الأكبر الذي يقع فيه الشلفي يتعلق بالزمن نفسه. قبل أن تطأ قدم أي جندي إماراتي أرض الجنوب بثماني سنوات كاملة، كان الحراك السلمي الجنوبي يكتب تاريخه بالدم. ففي 10 سبتمبر 2007، سقط الشهيدان وليد صالح عبادي مساعد ومحمد قائد حمادي برصاص قوات الأمن المركزي في اعتصامات الضالع. وفي 13 أكتوبر من العام نفسه، قُتل أربعة مواطنين بينهم شفيق هيثم حسن (الجميعي) وعبد الناصر حمادة (خيران) أثناء إعدادهم منصة احتفال في الحبيلين بردفان. وفي 13 يناير 2008، سقط صالح أبو بكر محمد السيد البكري وأحمد علي محمد شمالي في حي الهاشمي بعدن. وفي 5 مايو 2008، أضافت طور الباحة بلحج شهيدين جديدين هما يحيى محمد حسن الصوملي وحافظ محمد حسن.

هذه مجرد أمثلة من كشوف توثيقية تضم أكثر من 550 شهيدًا سقطوا في السنوات الخمس الأولى للحراك السلمي (2007-2011)، وفق توثيق المرصد الجنوبي لحقوق الإنسان. منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش وثقت بدورها انتهاكات منهجية في تلك الفترة، من القتل غير القانوني إلى قمع الحريات والاحتجاز التعسفي. ساحات المنصورة بعدن، والحوطة بلحج، ومدينة الضالع، والشحر وغيل باوزير بحضرموت، كلها كانت مسارح يومية لاعتصامات ومسيرات سلمية، قبل أن تعرف الإمارات طريقها إلى الجنوب. فإذا كانت المظاهرات التي يراها الشلفي اليوم مجرد “أداة إماراتية”، فمن كان يقف خلف شهداء 2007 و2008 و2009؟ الإجابة الوحيدة المنطقية هي: الشعب الجنوبي نفسه. فإذا كان قادرًا على التحرك ذاتيًا قبل تسعة عشر عامًا، فلماذا يفترض الشلفي أنه فقد هذه القدرة اليوم، إلا إذا كان يعتقد أن الجنوبيين لا يستحقون أن يكونوا أبطال قصتهم الخاصة؟ هذا السؤال ليس له جواب في مقاله، لأنه يكشف زيف الادعاء.

يحاول الكاتب أيضًا استعمال أسلحة رخيصة في عالم التحليل السياسي: التوقيت، والتمويل، والحشد. يريد إقناعنا بأن وجود تنظيم يعني بالضرورة وجود مؤامرة. وكأن الاحتجاجات الشعبية في العالم تولد بشكل عشوائي دون تخطيط! هل خرج متظاهرو 2011 (متظاهرو توكل كرمان)، التي غطاها الشلفي بنفسه، دون شعارات محددة ودون قنوات تعبئة ودون توقيت سياسي؟ بالطبع لا. الفرق الوحيد هو أن توقيت وحشد 2011 كان يخدم سردية الكاتب، أما توقيت اليوم فيخدم سردية أخرى، فبات “مشبوهًا”. أما بخصوص “التغطية الإعلامية الإماراتية” كدليل على التورط، فهذا يشبه اتهام متظاهري سوريا سابقًا بأنهم مؤامرة أجنبية لمجرد أن قنوات دولية غطتهم. التغطية الإعلامية تتبع الحدث، وليست دائمًا من تصنعه. الإمارات قد تدعم وتغطي، لكن دعم قوة قائمة يختلف عن خلقها من العدم.

في نهاية مقاله، يطرح الكاتب أسئلة يظن أنها قاتلة: من يحدد الاتجاه؟ ومن يحدد السقف؟ ولكن السؤال الأكثر دقة الذي يكشف محدودية تحليله هو: لماذا تنجح هذه المظاهرات في حشد كل هذا العدد رغم كل محاولات التشويه والإرباك؟ لو كانت القضية مجرد “أوامر إماراتية” عبر “منفذ هو عيدروس” بحسب زعمه، لكان بإمكان أي جهة أخرى، سعودية كانت أم أممية أم حكومية، شراء الشارع ذاته. لكنهم لم يستطيعوا. لماذا؟ لأن هناك أرضية خصبة من الغضب والمظلمة والهوية والتطلع، لا يمكن استيرادها من الخارج. تجاهل الكاتب لهذه الأرضية هو جوهر التضليل. إنه يتعامل مع الناس كصفحة بيضاء تكتب عليها الإمارات ما تشاء، متناسيًا عقودًا من الحراك، وسنوات من الدم، ومشروعًا وطنيًا ناضجًا.

يا سيد “الخبير”، أن تخالفنا الرأي فذلك شأنك. أن تدعم حكومة الأمر الواقع في عدن ضد خصومها فهذا خيارك. لكن أن تختزل إرادة الآلاف في شارع ساحة العروض إلى مجرد “عملية انتقام” إماراتية، فهذا ليس تحليلاً، بل هو إنكار لواقع تعيشه وتعايشه. المشكلة ليست في عدالة القضية الجنوبية كما تقول، المشكلة أنك لا تريد لهذه العدالة أن تجد من ينتفض لها، إلا إذا كان المنتفضون من خلفية سياسية ترضيك. وحينها فقط سيصبحون “أنصارًا”، أما الآن فهم مجرد “أدوات”. وهذا هو بعينه منطق الاستعلاء الذي يفشل كل محاولات التفاهم في اليمن.

زر الذهاب إلى الأعلى