اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حكمة وشجاعة الجنرال الزُبيدي

 

يعقوب السفياني

يُحسب للرئيس عيدروس الزُبيدي حكمته وتقديره للموقف، فهو كان قادرًا – لو أراد – على رفع مستوى التصدي للسعودية إلى درجة الكفاح المسلح، وإدخال الجنوب كله في أتون حرب غير مسبوقة تتقاطع فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، وتتشابك فيها المشاريع، ويدفع ثمنها الناس قبل السياسة.

لكن الرجل لم يفعل. لم يذهب إلى خيار الصدام المفتوح، ولم ينجرّ إلى السيناريو الذي كان يُراد له أن يقع فيه.

على الرغم من الإساءة المتكررة، ومحاولة تكريس سردية “الهروب” و“الانسحاب المذل”، وسردية التبعية لهذا الطرف أو ذاك – خصوصًا ما يتعلق بالإمارات – وهي سرديات لم تكن بريئة بحال من الأحوال، بل كانت في تقديري تهدف إلى دفعه نحو مواجهة غير محسوبة، أو إلى سيناريو اقتتال جنوبي داخلي يُنهي كل شيء… فإنه فوّت الفرصة على من خططوا لذلك.

بقي في الظل، لا بعيدًا عن المشهد بل ممسكًا بخيوطه. احتفظ بأوراقه كاملة، وحافظ على شعبيته وجماهيريته، وبقي حاضرًا في الوعي السياسي الجنوبي. وهذا يعني ببساطة أنه اليوم في حلٍّ من أي تفاهمات تُدار بين السعودية وبعض الأطراف الجنوبية الموجودة في الرياض، كما أنه غير ملزم بأي مخرجات لحوار جنوبي إذا لم تلبِّ الحد الأدنى من تطلعات شعب الجنوب، أو إذا حملت التفافًا على جوهر القضية.

لا أحد يضحك عليكم ويوهمكم أن الرجل انتهى أو خرج من المشهد بشكل نهائي. هناك قلق حقيقي اليوم في دوائر القرار السعودية بشأن دور الزبيدي في المرحلة القادمة، وإمكانية أن يُفشل أي صفقات تُمرَّر على حساب الجنوب وقضيته. الرجل يملك القدرة السياسية والشعبية على إعادة خلط الأوراق متى ما شعر أن المسار ينحرف.

في هذه المرحلة، أثبت شجاعته لا بالصوت العالي، بل بضبط النفس.

هذا رجل واجه المفخخات ومحاولات الاستهداف المباشر، ولم يتراجع. رجل استطاع أن يعمل ويفعل ويؤسس في ظروف شديدة التعقيد.

قد تختلف معه، قد تتفق، لكن قراءة اللحظة بإنصاف تقتضي الاعتراف بأن تفويت الحرب أحيانًا أشجع من خوضها، وأن إدارة الصراع بحكمة أهم من إشعاله بلا أفق.

زر الذهاب إلى الأعلى