#د/ أفندي المرقشي في مقالته : الجنوب بين منطق النفوذ ومنطق الاحترام

د/ أفندي المرقشي
ستفهم السعودية الجنوب حقًا فقط في اللحظة التي تدرك فيها أن القوة والمال، مهما بلغا، لا يصنعان طاعة دائمة ولا استقرارًا حقيقيًا. فالتجربة التاريخية، في الجنوب كما في غيره، أثبتت أن المجتمعات لا تُدار بالإملاءات ولا تُضبط بالهبات، بل تُبنى على الثقة المتبادلة والاحترام الصادق لإرادة الناس وخصوصياتهم السياسية والتاريخية.
وما يجري في الجنوب اليوم ليس عشوائية ولا صدفة، بل هندسة سياسية سعودية دقيقة لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي في ظل تغييبٍ متعمّد للقيادات السياسية والعسكرية المحتضَنة في الرياض. ترتيبات تُفصَّل على مقاس المصالح السعودية، لا على إرادة أهل الجنوب، وبما يضمن إرضاء “اليمنيين” كافة… بمن فيهم الحوثيون. إنه مشهد إدارة لا شراكة، واحتواء لا تمكين، ومحاولة لإنتاج جنوبٍ منزوع القرار، بينما يُطلب من شعبه دفع الثمن وحده.
الجنوب ليس ساحة نفوذ مؤقتة، ولا فراغًا سياسيًا يمكن ملؤه بالترتيبات الأمنية أو التفاهمات العابرة. هو كيان له ذاكرة نضالية، ونخب اجتماعية وسياسية، وتطلعات واضحة نحو الشراكة الندية أو تقرير المصير. وكل مقاربة تتجاهل هذه الحقائق، أو تحاول القفز عليها، ستنتج توترًا مؤجلًا لا استقرارًا مستدامًا.
لقد جُربت أدوات القوة: الضغط السياسي، إدارة المشهد عبر الغياب المتعمد للقيادات، ومحاولات إعادة هندسة الواقع الجنوبي بما يخدم توازنات إقليمية أو يرضي أطرافًا يمنية أخرى، بما فيها قوى تناصب الجنوب العداء. لكن النتيجة كانت واحدة: اتساع فجوة الثقة، وتعميق الشعور بأن الجنوب يُدار كملف أمني لا كشريك سياسي.
المال أيضًا، مهما كان حجمه، لا يشتري الولاء طويل الأمد. قد يخلق صمتًا مؤقتًا أو اصطفافات هشة، لكنه لا يصنع قناعة ولا يبني شرعية. الشرعية وحدها تنبع من احترام إرادة الناس، والاعتراف بحقهم في اختيار ممثليهم، والتعامل معهم كأصحاب أرض وقضية، لا كأدوات في صراع إقليمي معقّد.
الاستقرار الذي تبحث عنه السعودية، كما غيرها من دول الإقليم، لن يتحقق في الجنوب إلا عبر بوابة واحدة: الاحترام، احترام القرار الجنوبي، واحترام تضحياته، واحترام حقه في أن يكون طرفًا كامل الأهلية في أي معادلة سياسية قادمة. عندها فقط يمكن بناء ثقة حقيقية، وشراكة مسؤولة، تضمن أمن الجميع دون استثناء.
أما الاستمرار في منطق القوة والاحتواء، فلن ينتج إلا جنوبًا أكثر صلابة في مواقفه، وأكثر تشككًا في النوايا، وأكثر استعدادًا للدفاع عن خياراته مهما كانت الكلفة. والتاريخ، مرة أخرى، سيكون شاهدًا لا مجاملًا