اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

من يبني سياسته ضد محيطه؟

 

بشير الهدياني

حين تُدار المنطقة بعقلية القوي الذي لا يرى في الضعيف إلا ساحة اختبار، وتُختزل السياسة في موازين القوة المجردة، وتُقصى القيم الأخلاقية والمرجعيات الدينية عن صناعة القرار، فإن النتيجة لا تكون استقرارًا، بل سلسلة صراعات تتغذى من ذاتها، وتخرج في النهاية عن سيطرة من أطلقها.

ما تشهده الساحة العربية واليمن والجنوب تحديداً اليوم ليس أزمة قرارات، بل أزمة بوصلة. فبدل أن تُبنى العلاقات على منطق الشراكة والتكامل، تُدار بمنطق الإضعاف المتبادل، وكأن قوة الآخر تهديد يجب كسره، لا رصيدًا يُستثمر. هذا التفكير، وإن بدا براغماتيًا في لحظته، يحمل في جوهره بذور صراع إقليمي واسع، لن يكون أحد بمنأى عن نيرانه.

التاريخ القريب والبعيد يعلّمنا أن الدول التي تُراكم الأعداء أكثر مما تُراكم الأصدقاء، قد تكسب جولات تكتيكية، لكنها تخسر الموقع الاستراتيجي. فالسياسات التي تقوم على خلق الخصومات داخل الإقليم، بدل تحصين البيت العربي، لا تنتهي إلا بعزل أصحابها، وتحويلهم إلى هدف مكشوف في لحظة التحول الكبرى.

الأخطر أن هذا المسار لا يُدار في فراغ، بل ضمن بيئة دولية ترى في تفكك المنطقة واستنزافها فرصة، لا تهديدًا. وكلما اشتد الصراع بين الأشقاء، تراجعت كلفة التدخل الخارجي، وسهل توجيه الضربات حين يحين وقتها، لأن الأرض تكون قد أُنهكت، والثقة تكون قد تبخرت، والحاضنة تكون قد انفضّت.

المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف المصالح، فذلك أمر طبيعي في السياسة، بل في غياب القيم الحاكمة لإدارة هذا الاختلاف. حين تُدار السياسة بلا رادع أخلاقي، وبلا استحضار لميزان العدل والمسؤولية، تتحول من أداة تنظيم إلى أداة تدمير، ومن وسيلة حماية إلى سبب مباشر في الانفجار.

وإذا استمرت المنطقة في هذا المسار، فإن القادم لن يكون صراع نفوذ محدودًا، بل مواجهة إقليمية مفتوحة، يكون الجميع فيها خاسرًا، مهما ظنّ بعضهم أنه في موقع القوة اليوم. فالقوة التي لا تضبطها الحكمة، ولا تحميها القيم، تنقلب في لحظة فاصلة إلى عبء على صاحبها، لا إلى درعٍ له.

من يبني سياسته ضد محيطه، يكتشف متأخرًا أنه وحيد في لحظة الاختبار، وأن ما ظنه انتصارًا، لم يكن إلا مقدمة لخسارة أكبر

زر الذهاب إلى الأعلى