إلى <فلاح الشهراني>.. الجنوب صاحب القرار والتضحيات لاتُهان

أبو ليث الحُميدي
عندما نتحدث عن الجنوب،لانتحدث عن مساحة جغرافية فقط، ولا عن مؤسسات يمكن التعامل معها كملفات إدارية روتينية. نتحدث عن شعب صنع وعيه وتاريخه بتضحيات الشهداء وأنين الجرحى، عن واقع تراكمت فيه سنوات من الكفاح والصمود، وعن ذاكرة جماعية ما زالت حيّة في كل بيت وشارع. هذه الحقيقة تجعل من أي تعامل مع الجنوب قضية حساسة تتجاوز حدود السياسة التقليدية.
للأسف، أنتم تتعاملون مع الواقع الجنوبي وكأنه مجرد مشهد يمكن ضبطه بقرارات إدارية أو فرض إرادات شكلية من الخارج، وهذا سوء تقدير خطير، فالجنوب ليس مساحة خالية من الوعي، ولا شعوبها مجرد أطراف هامشية يمكن تمرير الرسائل السياسية فوق رؤوسها. أي خطوة تُفهم على أنها مساس برمزية جنوبية، أو تجاوز لإرادة الناس، تتحول فوراً من مجرد قرار إداري إلى قضية كرامة ووفاء لتضحيات سابقة.
إن خروج أبناء الجنوب في مسيرات حاشدة واستعادة مقر الجمعية العمومية، ليس حدثاً عابراً يمكن تجاهله أو تبريره ببيانات رسمية. إنه رسالة واضحة مفادها أن الإرادة الشعبية هي صاحبة القرار في أرضها، وليست أي شرعية شكلية تمنحها المكاتب البعيدة أو ما يُعرف بـ”شرعية الفنادق”. فالتاريخ السياسي للجنوب صاغه الدم، والتضحيات، والوعي الجماعي، وليس القرارات المفروضة من أعلى.
إن من يتعامل مع الجنوب بعقلية التجربة المؤقتة، أو يظن أن صبر الناس محدود، يقع في خطأ جسيم. الصبر موجود، لكن ليس بمعنى القبول بأي تجاوز، بل بمعنى مراقبة المشهد، وترك الناس لتختبر الحدود، وعندها تأتي النتيجة الطبيعية: الحراك الشعبي الذي يعيد التوازن ويؤكد أن هناك خطوطاً لا يمكن القفز فوقها. وفي الجنوب، هذه الخطوط مرتبطة مباشرة بتضحيات الشهداء وكرامة الجرحى وحقوق المجتمع بأكمله
السياسة في الجنوب ليست مجرد إدارة ملفات، بل فن قراءة الواقع بعقلانية ووعي بالتاريخ. أي تجاهل للتضحيات،أي تجاوز للرموز أو المؤسسات التي تحمل معنى سياسياً أو معنوياً، يُفهم على الفور كإهانة للذاكرة الجماعية. وهذا ليس مجرد شعور، بل قاعدة سياسية ثابتة: الشعب يقيس أي خطوة بعدد التضحيات التي دُفعت من أجل الحفاظ على هويته وكرامته.
لهذا، أي محاولة لاختبار صبر الناس عبر الاستفزاز أو فرض الأمر الواقع، مهما بدت ناجحة على الورق، ستكون معرضة للفشل على الأرض. القوة الشكلية بلا شرعية شعبية هي وهم زائل، والتاريخ مليء بالأمثلة عن مَن اعتقد أن فرض القرارات يكفي لتجنب الاحتقان، فوجد نفسه في مواجهة الشارع الذي لا ينسى ولا يغفر بسهولة.
السياسة الرشيدة في هذا السياق تتطلب تقديراً حقيقياً للواقع الشعبي: الاستماع قبل إصدار القرارات، الامتصاص قبل المواجهة، احترام الرموز والتاريخ قبل اختبار القوة. الشرعية هنا ليست أوراقاً رسمية، ولا قرارات فوقية، بل علاقة حساسة مع ذاكرة جماعية تشكلت عبر الدم والتضحيات والصبر الطويل.
ما حدث مؤخراً يؤكد درساً واضحاً: الجنوب لا يُدار إلا من خلال فهم أعماقه التاريخية والسياسية، واحترام إرادته الشعبية، ومراعاة كل خطوة في المشهد بعقلانية. أي تجاهل لهذه المعادلة سيضع أي طرف، مهما بدا قوياً، في مواجهة مباشرة مع المجتمع، ليس كمتفرج، بل كفاعل سياسي يفرض نفسه على الأرض.
كما نؤكد لكم إن الشعب هو صاحب القرار، والتضحيات هي الضمانة، والإرادة الشعبية لا تُقهر. أي حساب سياسي يتجاهل هذه الحقيقة، مهما بدت مؤقتاً فعّالاً، سيكتشف عاجلاً أن المشهد أكبر من القرارات المفروضة، وأن الشرعية الحقيقية تبنى بالاحترام والمعرفة والوفاء لتاريخ شعب كامل.
إن كل من يظن أن استفزاز الشعب أو تجاهل تاريخه يمكن أن يحقق مكاسب سياسية، اذ انه سيجد أن الجنوب لا يُقهر بالقوة، بل بالاعتراف والتقدير. والدرس بسيط: السياسة الواقعية تبدأ بالاحترام، وتنتهي بالاعتراف بإرادة الناس قبل أي شيء آخر