اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حين تتحول الحملات إلى اعتراف غير معلن بالوزن السياسي- لماذا يُستهدف المجلس الانتقالي اليوم؟

بقلم: انور حزام

في السياسة، نادراً ما تُشن الحملات ضد الفراغ. فالهجوم المتواصل، خاصة حين يأخذ طابعاً إعلامياً منظماً، يكون في الغالب دليلاً على إدراك عميق بوزن الطرف المستهدف وتأثيره في المعادلة القائمة. من هذا المنطلق، يمكن قراءة ما يتعرض له المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه اللواء عيدروس الزُبيدي من حملات تشويه وتحريض، بوصفه اعترافاً غير مباشر بأن هذا الكيان لم يعد رقماً هامشياً، بل لاعباً رئيسياً يصعب تجاوزه.

خلال السنوات الأخيرة، تزايدت محاولات النيل من صورة المجلس الانتقالي في الشارع الجنوبي، عبر خطاب إعلامي يكرر اتهامات جاهزة، ويعيد إنتاج سرديات قديمة ثبت فشلها. اللافت أن جانباً من هذه الحملات يأتي من منصات وشخصيات ترتبط – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – بأجندات إقليمية، في مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي تبدو اليوم أكثر ارتباكاً في تعاطيها مع الملف اليمني عموماً، والجنوب على وجه الخصوص.

هذا الارتباك لا يمكن فصله عن الإخفاق الكبير في إدارة الصراع مع جماعة الحوثي. فبعد ما يقارب عقداً من الحرب، لم تتحقق الأهداف المعلنة، بل على العكس، خرج الحوثيون أكثر قوةً وتنظيماً، وفرضوا أنفسهم طرفاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية. ومع انتقال الرياض من منطق الحسم إلى منطق التهدئة والتفاهمات، بدا واضحاً أن السياسة السعودية تبحث عن مخارج تحفظ النفوذ وتعيد ترتيب الأوراق، حتى وإن كان ذلك على حساب شركاء محليين فاعلين.

في هذا السياق، يظهر الجنوب كساحة بديلة لمحاولات التعويض السياسي. فبدلاً من الاعتراف بالمجلس الانتقالي الجنوبي كشريك حقيقي يمثل إرادة شعبية واسعة، يتم اللجوء إلى أدوات ناعمة تهدف إلى إرباك المشهد: تضخيم الخلافات الداخلية، إعادة تدوير شخصيات فقدت ثقة الشارع، وتسويق روايات إعلامية تقوم على التشكيك والتخوين وتزييف الوقائع.
غير أن الواقع على الأرض يقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالمجلس الانتقالي لم يُصنع في غرف مغلقة، بل جاء نتيجة مسار طويل من النضال الجنوبي، وترسّخ حضوره عبر:

– حاضنة شعبية واسعة عبّرت عن نفسها في مناسبات ومليونيات متكررة.
– دور أمني وعسكري ملموس في تثبيت الاستقرار ومكافحة الإرهاب في محافظات الجنوب.
– حضور سياسي خارجي متنامٍ، يعكس اعترافاً دولياً متزايداً بكونه فاعلاً لا يمكن تجاهله.

المفارقة الأكثر وضوحاً في هذا المشهد، هي التباين في المعايير. ففي الوقت الذي يُفتح فيه باب الحوار والتفاهم مع جماعة انقلبت على الدولة وهددت أمن المنطقة، يتم التعامل مع المجلس الانتقالي – الذي قدّم تضحيات كبيرة وكان شريكاً أساسياً في مواجهة الفوضى والإرهاب – بمنطق الشك ومحاولات الاحتواء أو الإضعاف. وهي مفارقة تطرح تساؤلات مشروعة حول أولويات إدارة الملف اليمني، وحول الرسائل التي يتم توجيهها للفاعلين المحليين.

إن حملات التشويه، مهما تنوعت أدواتها، لن تغيّر من الحقائق السياسية القائمة. بل إنها غالباً ما تؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ تعزز قناعة الشارع الجنوبي بأن استهداف المجلس الانتقالي ورئيسه ليس إلا محاولة للالتفاف على إرادة شعبية باتت أكثر وعياً بطبيعة الصراع وأدواته.

في النهاية، لا يمكن بناء استقرار حقيقي في اليمن من خلال إدارة الأزمات أو اللعب على التناقضات. الطريق الأقصر – وإن كان الأصعب – يبدأ بالاعتراف بالواقع كما هو، وبأن المجلس الانتقالي الجنوبي أصبح رقماً صعباً في أي معادلة سياسية قادمة. أما الاستمرار في سياسات التشويه والتهميش، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وإطالة أمد صراع أثبتت التجربة أن الحلول الالتفافية لا تنهيه

زر الذهاب إلى الأعلى