الجنوب بين تعثر الرؤية السعودية وصلابة القرار الجنوبي

كتب/ أبو ليث الحميدي
تشهد الساحة السياسية الجنوبية مرحلة حساسة ومفصلية، تكشف حجم التحولات التي طرأت على طبيعة التعاطي مع القضية الجنوبية إقليمياً ودولياً، وتؤكد في الوقت ذاته أن المعادلات القديمة التي كانت تُرسم بعيداً عن الواقع الميداني لم تعد صالحة لإنتاج حلول قابلة للحياة. فالمستجدات المرتبطة بالحوار الجنوبي–الجنوبي الذي كان مزمعاً عقده في الرياض، وما رافقها من مؤشرات سياسية وحقوقية، توحي بأن هناك إعادة تموضع تجري خلف الكواليس بعد أن اصطدمت بعض الأطراف بوقائع الأرض وصلابة الإرادة الجنوبية.
تأجيل الحوار لا يبدو – في نظر كثير من المتابعين – إجراءً بروتوكولياً بقدر ما هو انعكاس لضغوط طارئة فرضت نفسها على المشهد. من بين هذه الضغوط تحركات قانونية وحقوقية يُتداول بشأنها، يقودها ناشطون جنوبيون وأجانب، للمطالبة بفتح مسارات تحقيق دولية حول عمليات عسكرية استهدفت قواتنا الجنوبية التي كانت تخوض مواجهات ضد التنظيمات المتطرفة. مثل هذه التحركات، بغض النظر عن مآلاتها، تنقل الملف من إطاره السياسي الضيق إلى دائرة الاهتمام القانوني الدولي، وهو ما يضاعف كلفة أي تصعيد ويجعل الحسابات أكثر تعقيداً.
في المقابل، برز واقع سياسي يصعب تجاوزه يتمثل في الحضور الفاعل للمجلس الانتقالي الجنوبي. فالتعاطي معه لم يعد كما في السابق بوصفه مكوناً يمكن تحجيمه أو القفز عليه، بل بات يمثل ثقلاً سياسياً وشعبياً وعسكرياً على الأرض. تمسك الوفود الجنوبية بأن مهمتها تنحصر في الحوار دون القبول بقرارات مسبقة تمس شكل التمثيل أو الوجود السياسي، يعكس إدراكاً متنامياً بأن أي صيغة لا تنطلق من الاعتراف بالأطراف الفاعلة ستولد مشلولة منذ البداية. كما أن استبعاد شخصيات قيادية مؤثرة من أي مسار حواري يجعل مخرجاته موضع شك، لأن الشرعية في مثل هذه الملفات لا تُستمد من القاعات المغلقة بقدر ما تُستمد من القبول الشعبي والوزن الميداني.
أما من زاوية السياسات الإقليمية، فإن استخدام أدوات الضغط أو الرسائل العسكرية – إن ثبتت دلالاتها – لم يحقق اختراقاً سياسياً بقدر ما زاد المشهد احتقاناً. فالتجارب أثبتت أن القوة قد تغيّر ميزان السيطرة مؤقتاً، لكنها لا تصنع قبولاً مجتمعياً ولا تؤسس لتسويات مستقرة. على العكس، مثل هذه الإجراءات تعزز سرديات الرفض وتدفع الشارع إلى مزيد من التصلب، خصوصاً عندما يشعر بأن إرادته يتم تجاوزها أو التعامل معها كعامل ثانوي.
الشارع الجنوبي برز خلال السنوات الأخيرة بوصفه عنصراً حاسماً في صياغة الاتجاهات. كثير من الجنوبيين يرون أن لديهم قضية سياسية واضحة، وأنهم عبّروا عن خياراتهم بصورة متكررة، ما يجعل أي مقاربة تتجاهل هذا المزاج العام تبدو وكأنها صدام مع مجتمع بأكمله لا مجرد خلاف مع قيادة سياسية. هنا تتضح الفجوة بين منطق الإدارة من الخارج ومنطق التشكل من الداخل، وهي فجوة اتسعت كلما جرى التعامل مع الجنوب كمساحة نفوذ لا كحالة سياسية لها خصوصيتها.
على المستوى الدولي، ينظر الفاعلون الخارجيون إلى الجنوب أيضاً من زاوية أمن الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب. الاستقرار الذي تحقق في فترات سابقة في بعض المناطق ارتبط بجهود قوى محلية فاعلة على الأرض. أي اهتزاز في هذه المعادلة يثير مخاوف من عودة الفراغات الأمنية التي غالباً ما تستغلها الجماعات المتطرفة. لذلك فإن معيار الثقة الدولية لا يقوم على الخطاب السياسي بقدر ما يقوم على القدرة الفعلية على حفظ الاستقرار، والعمل ضمن شراكات متوازنة لا سياسات أحادية.
المشهد في مجمله يعكس صراعاً بين منطقين: منطق يحاول فرض تصورات جاهزة، ومنطق آخر يفرض الاعتراف بالوقائع كما هي. الجنوب اليوم لم يعد ساحة مفتوحة لإعادة التشكيل وفق إرادات خارجية فقط، بل أصبح رقماً سياسياً له قواه المؤثرة وشارعه وتوازناته. أي مسار حواري سيظل ضرورة، لكن فرص نجاحه مرهونة بأن يكون حواراً بين شركاء حقيقيين، ينطلق من تمثيل فعلي للقوى الموجودة على الأرض، ويحترم الإرادة المجتمعية، بعيداً عن محاولات الوصاية أو إعادة إنتاج أزمات أثبتت التجربة أنها لا تصمد أمام حقائق الواقع