اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الطفل الذي قبّل صورة الرئيس الزُبيدي: رحلة في جينات الانتماء الجنوبي

 

النقابي الجنوبي/خاص

 

هل يُولد الطفل مناضلًا، أم يُصاغ مناضلًا؟

 

بين دموع أمّه، ونظرات أبيه الجريح، يطلّ عبد الرحمن حسان الفتاحي – طفلٌ لم يتجاوز الثالثة من عمره – ليطرح سؤالًا يُربك النظريات السياسية والاجتماعية معًا: كيف لضميرٍ لم يكتمل نضجه العقلي أن يحمل هوية وطنية متماسكة؟ وكيف لطفلٍ في هذا العمر أن يتعرّف، بعفويةٍ خالصة، على الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، ويُقبّل صورته بإحساسٍ يتجاوز صخب الخطابات الرسمية؟

 

الجواب لا يكمن في التلقين أو التعليم المباشر، بل في ما يمكن تسميته بـ «الوراثة الوطنية»؛ تلك العملية الصامتة التي تزرع الجنوب في القلب قبل أن تنطقه الشفاه.

 

الطفل بوصفه حدثًا فرديًا

 

في مديرية المسيمير – حبيل حنش، لم يكن مشهد عبد الرحمن وهو يُقبّل صورة الرئيس الزُبيدي مجرّد سلوك طفولي عابر، بل نصًا بصريًا مكثّفًا. فالطفل، في براءته، لا يُجيد التمثيل ولا يعرف الاصطفاف الواعي، بل يعكس ما يتغذّى به وجدانه يوميًا: صورة القيادة، نبرة الحكايات، وصمت الجراح المفتوحة.

 

العائلة… المختبر الأول للانتماء

 

والد عبد الرحمن، مناضلٌ جنوبي جريح منذ عام 2007، لم يشرح لابنه معنى الوطنية عبر الكتب أو الشعارات، بل جسّدها في جسده. كل ندبةٍ كانت درسًا، وكل صمتٍ طويل كان خطابًا مكتمل المعنى.

في بيوت كهذه، لا تُناقش الهوية، بل تُعاش. ولا تُدرّس القضية الجنوبية، بل تُتنفَّس. الأسرة هنا ليست وحدة اجتماعية فحسب، بل خلية مقاومة ثقافية، تُنتج وعيًا جمعيًا متجددًا، وتحافظ على نقاء الفكرة عبر الأجيال.

 

المجتمع… ذاكرة لا تنسى

 

ما يحدث في بيت الفتاحي ليس حالة استثنائية، بل تعبير عن نمطٍ اجتماعي جنوبي راسخ. ففي مجتمعٍ يُحتفى فيه بالشهداء كأبطال يوميين، وتُعلّق صور القادة باعتبارها رموز أمانة ومسؤولية، يتحوّل الانتماء إلى سلوك تلقائي.

 

الطفل الذي يُقبّل صورة الرئيس الزُبيدي لا يفعل ذلك لأنه طُلِبَ منه، بل لأنه يرى في تلك الصورة امتدادًا لمعنى الحماية، ورمزًا للثبات، وصدىً لصورة أبيه الجريح.

 

المشروع الوطني.. استمرارية لا تنقطع

 

من هنا، يتجاوز المشهد بُعده الفردي ليصل إلى بعدٍ استراتيجي. فالجنوب الذي يزرع حبّه في أطفاله قبل النطق، هو جنوبٌ عصيٌّ على الهزيمة بالتسويات المؤقتة أو الحلول المُلتبسة.

 

جيل عبد الرحمن لن يُساوم على وجود الدولة الجنوبية، لأنه لم يعرف غيابها كفكرة نظرية، بل عاشه كجرحٍ يومي في محيطه العائلي. هذا الجيل – الذي يتغذّى على الذاكرة بدل النسيان – هو الضمانة الحقيقية لاستمرار المشروع الوطني الجنوبي.

 

الرمزية… سياسة بلا ضجيج

 

القبلة التي وُجّهت إلى صورة الرئيس الزُبيدي ليست فعلًا عاطفيًا عابرًا، بل لغة سياسية صامتة. في زمن تُفرَّغ فيه الكلمات من مضمونها، تصبح الإشارات البسيطة أكثر بلاغة وتأثيرًا.

 

الطفل، بفعله العفوي، يقول ما تعجز عنه المنصّات: إن الجنوب لا يحتاج إلى ميكروفونات كي يُسمَع، بل إلى قلوبٍ تحفظه.

 

الجنوب يُورَّث.. ولذلك لا يموت

 

عبد الرحمن ليس ظاهرة عاطفية، بل نبوءة اجتماعية. نبوءة جيل يولد وقد حمل في جيناته حب الجنوب، كما يحمل ملامحه الأولى.

هذه ليست قصة طفل قبّل صورة، بل حكاية وطنٍ يرفض النسيان، فيزرع ذاكرته في أبنائه قبل أن يتعلّموا الكلام.

 

والجنوب، ما دام يُورَّث بهذه الطريقة – من جراح المناضلين إلى قبلة الأطفال – سيبقى حيًا، لا لأن السياسة تريده، بل لأن الوجدان الجنوبي لا يقبل بغير ذلك.

 

ففي كل طفل جنوبي، تُبعث القضية من جديد.. بلا ضجيج، وبلا انتظار إذن.

زر الذهاب إلى الأعلى