حين يكشف الزمن معادن الرجال

محمد الكازمي
في خضم هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر لشهر رمضان الفضيل، حيث تتسامى النفوس وتسمو القيم، لا ينبغي للإنسان أن يجعل من الأحداث مدخلاً للتشفي أو الشماتة، ومع ذلك فإن ما جرى لوفد المجلس الانتقالي الذي توجه إلى الرياض وما تعرض له من تضييق وانتهاكات أثار في داخلي الكثير من التأملات، وأعاد إلى الذاكرة صفحات من المواقف والسلوكيات التي لا تزال حاضرة في أذهان كثيرين.
لقد استحضرت في تلك اللحظة كيف كان التعامل مع بعض من عملوا إلى جانبهم، خصوصًا أولئك الذين حملوا فكرًا مختلفًا أو رؤيةً مستنيرة وتذكرت الفجوة الكبيرة التي كانت تفصل بين حياة الرفاهية التي عاشها البعض، وما كانوا يبدونه من تعالٍ في التعامل مع أبناء شعبهم، وكأنهم طبقة مخملية بعيدة عن هموم الناس ومعاناتهم، بل إن كثيرًا من المواقف كانت توحي بأن بعضهم قد ابتعد عن روح المسؤولية التي تفرضها القضايا الوطنية.
واليوم، ومع ما يُقال عن أن بعضهم بات في وضع يشبه الاحتجاز أو التقييد، حتى وإن كان ذلك مقابل امتيازات مالية، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الحرية تبقى أثمن ما يملكه الإنسان، فالمناصب قد تزول، والامتيازات قد تتبدد، لكن الكرامة والموقف الصادق هما ما يبقى في سجل التاريخ.
إن التاريخ لا يرحم أحدًا، ولا يجامل أحدًا. فهو يسجل المواقف كما هي، ويقيس الرجال بمدى ثباتهم على مبادئهم وقدرتهم على تحمّل المسؤولية، ومن اعتاد أن يبيع موقفه مرة، قد يجد نفسه يكرر ذلك كلما ضاقت به الطرق، لأن الإيمان الحقيقي بالقضية هو ما يمنح الإنسان الشجاعة ليصمد أمام العواصف.
وفي المقابل، لا بد من التوقف احترامًا لأولئك الذين ثبتوا على مواقفهم، وواجهوا الخصوم بكلمة حق، ولم يتراجعوا أمام الضغوط، هؤلاء الذين اختاروا طريق الكرامة، ولم يرضوا بالذل أو المساومة، هم من يستحقون أن يُذكروا بكل تقدير.
لقد علمنا عن مواقفهم، ووعينا حجم تضحياتهم، وسيظل تقديرهم دينًا في أعناق كل من يؤمن بقضية شعبه، فهؤلاء لم يكونوا مجرد أشخاص في لحظة عابرة من التاريخ، بل نماذج للثبات والإيمان بالمبدأ.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة واضحة إن الشعوب العظيمة لا تنسى من وقف معها، ولا تتخلى عن من حمل قضيتها بصدق، وشعب الجنوب، الذي عرف طريق النضال طويلًا، سيظل وفيًا لمن رفضوا الانكسار، واختاروا أن يكونوا في صف الكرامة مهما كان الثمن.