الجنوب بين النهب وأبواق التضليل

كتب / رائد عفيف
بعيداً عن لغة الانفعالات، ندرك أن المجلس الانتقالي الجنوبي ليس كياناً مثالياً؛ فيه أخطاء تحتاج إلى نقد وتصحيح، وهذا أمر طبيعي لأي تجربة سياسية ناشئة. لكن الغريب أن من يرفع صوته اليوم ضد الانتقالي يتجاهل نهب حضرموت والمهرة وشبوة، وكأن هذه الجرائم لا تعنيه.
وكلنا شاهدنا محطات تكرير النفط العشوائية التي كشفت حجم النهب والفساد، لكن الأبواق الإعلامية اختارت الصمت ولم تتحدث عن هذا الفساد الذي استنزف ثروات الجنوب. وحين قرر الشعب الجنوبي الخروج إلى الساحات للدفاع عن قضيتهم وعن قيادتهم والمجلس الانتقالي الجنوبي، ظهر هؤلاء فجأة يحرضون الناس، وشنّوا حملات عبر القنوات الفضائية وناشطيهم وأبواقهم، في محاولة لتشويه صورة الانتقالي والرئيس عيدروس الزُبيدي، وصرف الأنظار عن النهب الحقيقي الذي يدمّر الجنوب ويستنزف ثرواته.
والجميع يعرف من يتبع هؤلاء الأبواق، لأننا شاهدنا بأعيننا تلك القنوات الفضائية التي تزيّف الحقائق وتحرّف المعلومات، ويعملون بتنسيق منظم ضمن شبكة واحدة منظمة هدفها ضرب الجنوب وتشويه قياداته، بينما يظل النهب المنظم للثروات مستمراً بلا رقيب.
على هذه الأبواق أن تكف عن التضليل، وإن كانوا صادقين – مع أنهم ليسوا كذلك – فليعملوا على توجيه أقلامهم لإعادة إيرادات النفط المنهوبة التي كشفتها قواتنا الجنوبية في حضرموت والمهرة، وإعادتها إلى البنك المركزي، ما داموا يتحدثون عن الفساد ويزعمون الحرص على المال العام.
فالمليارات التي يُقال إنها تُصرف هنا أو هناك، لا تساوي شيئاً أمام التريليونات التي تُبتلع شهرياً من نفط حضرموت وغاز مأرب وموارد شبوة، لتصب في جيوب قوى النفوذ بالشمال، بينما المواطن الجنوبي يواجه الفقر والحرمان.
ولو كانت القيادة الجنوبية تنوي الثراء السريع، لقالت للسعودية “سمع وطاعة” وأصبحت في موقع الزعامة شكليًا، لكنها كانت ستصبح مثل غيرها ممن باعوا قرارهم وفقدوا سيادتهم. غير أن خيارها كان واضحاً: الحفاظ على استقلالية القرار الجنوبي مهما كانت التضحيات، وعدم بيع القضية في سوق المصالح.
النهب المنظم لثروات الجنوب ليس مجرد فساد مالي، بل جريمة تاريخية تستهدف الهوية والوجود. من يسرق قوت الناس لا يختلف عن من يسعى لشطبهم من التاريخ؛ فكلاهما يهدف إلى تحويل الجنوب إلى تابع بلا إرادة.
ثروات الجنوب خط أحمر… وفي القريب سوف تعود لصالح الشعب، والأبواق لن تغيّر الحقيقة.