عناق الأعداء.. كيف حوّل ترامب وممداني خصومة علنية إلى تقارب سياسي مؤقت؟

النقابي الجنوبي/هشام صويلح
جذور الصدام بين ترامب وممداني
لأشهر، ظلّت العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزهران ممداني، عمدة نيويورك المنتخب، مثالاً للتصادم السياسي التام. ترامب بنى جزءًا كبيرًا من خطابه على شعار القانون والنظام والهوية القومية، ورأى في ممداني نموذجًا حيًا لليسار التقدمي الذي هاجمه مرارًا. أما ممداني، فلم يُخف موقفه، وذهب إلى حد وصف ترامب بـ”الفاشي” في تصريحات سابقة.
وقبيل فوز ممداني، دعا ترامب علنًا إلى دعم منافسه الديمقراطي السابق لمنع صعوده. وبعد ظهور النتائج، بدأت بلدية نيويورك الاستعداد لاحتمالات تصعيد تشمل تدخلًا فيدراليًا أو تقليص التمويل أو ضغطًا تشريعيًا مباشرًا. كان المشهد مرشحًا لمزيد من التوتر لا لمفاجآت تهدئة.
لقاء البيت الأبيض يقلب التوقعات
في 21 نوفمبر 2025، شهد المكتب البيضاوي مشهدًا قلب التوقعات. جلس ترامب وممداني جنبًا إلى جنب يتبادلان الابتسامات، ووضع أحدهما يده على كتف الآخر، فيما سارع ترامب إلى صد أسئلة الإعلام المحافظ نيابةً عن العمدة الجديد. وعندما سُئل ممداني إن كان لا يزال يعتبر ترامب “فاشيًا”، قاطعه الرئيس مازحًا: “يمكنك ببساطة أن تقول نعم، الأمر أسهل.”
لم يكن المشهد ارتجاليًا بالكامل. فترامب أثنى على سياسات ممداني في الإسكان، وعلى إبقائه مفوّض الشرطة الحالي، وادّعى وجود أرضية مشتركة حتى في القضايا الأكثر حساسية، ومنها الصراع في الشرق الأوسط، مانحًا نفسه صفة “صانع السلام”، ومعتبراً أن ممداني “يشعر بقوة” تجاه الحل.
مشهد مفاجئ يربك الحلفاء والخصوم
أثار اللقاء موجة تعليقات عبر الطيف السياسي.
نيكول ماليوتاكيس، عضو الكونغرس الجمهوري، قالت: “كنا نعلم أن ممداني شخص جذاب، ولكن من كان يظن أنه سيتمكن من سحر الرئيس؟”
أما جو بوريلي، أحد أبرز مؤيدي ترامب، فاعتبر أن: “هذا درس للناس أن الشخصيات التي تُصوّرهم ليست بالضرورة حقيقتهم.”
لكن الأصوات اليمينية الغاضبة لم تغب. فالمذيع المحافظ سيد روزنبرغ قال: “مشاهدتهما يتصافحان ويبتسمان جعلتني أرغب في فقدان غدائي.”
وفي الجهة التقدمية، ظهر الحذر. آنا ماريا أرشيلا من حزب العائلات العاملة تحدّثت عن “ارتياح ضئيل”، لكنها شددت على أن: “ترامب ليس ممثلاً متسقًا أو موجّهًا أخلاقيًا بشكل خاص.”
وأضافت أن على المدينة البقاء في حالة استعداد لاحتمال تصعيد، فمزاج الرئيس المتقلب لا يضمن استمرار الانفراج.
حتى الإعلام دخل على خط السخرية. برايان كيلميد في فوكس نيوز قال: “أعتقد أن جيه دي فانس يشعر بالغيرة. إنهما ينسجمان بشكل رائع.”
فيما اكتفى المتحدث باسم تشاك شومر بتقييم حذر: “اجتماعًا كهذا لا يمكن إلا أن يكون مفيدًا لنيويورك.”
هل يصمد هذا التقارب؟
يبقى السؤال الأهم: هل يمثل هذا اللقاء بداية تقارب دائم، أم مجرد تكتيك مؤقت لتفادي مواجهة غير مجدية؟
التحليل يشير إلى أن التقارب لا يستند إلى تحول أيديولوجي، بل إلى حسابات عملية. فممداني، كمسؤول محلي جديد، يحتاج إلى تأمين بيئة تشغيل مستقرة لمدينته، بعيدًا عن التهديدات الفيدرالية. وترامب، الذي يُعدّ لمرحلة سياسية قادمة، يسعى إلى توسيع صورته كشخص قادر على الحوار مع الخصوم — استراتيجية قد تخدمه سياسيًا.
لكن العلاقة تظل هشّة. فقاعدة ترامب لا تزال متشككة، وقاعدة ممداني لا تثق في نوايا الرئيس. وعبارات مثل “الأصدقاء الأعداء”، التي تكرّرت في وصف اللقاء، ليست مصادفة. فهي تختزل التناقض: فهما ليسا أصدقاء، لكنهما ليسا أعداء في كل الظروف. بل هما خصمان يتفاهمان عندما تملي المصلحة ذلك.