تصاعد الاعتصامات في الجنوب.. حراك شعبي يتسع ومواقف إعلامية عربية دولية تعيد تشكيل المشهد

النقابي الجنوبي/خاص
يشهد الجنوب العربي خلال الأسابيع الأخيرة موجة متصاعدة من الاعتصامات الجماهيرية في العاصمة عدن وعدد من المحافظات الجنوب،
في مشهد يعكس حالة غليان شعبي متنامية، ترفع شعار إعلان دولة الجنوب العربي، باعتبارها خياراً سياسياً جامعاً بعد سنوات من التعقيد والصراع في الملف اليمني، ويأتي هذا الحراك في سياق تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت طرح قضية الجنوب إلى واجهة النقاش المحلي والدولي، ففي العاصمة عدن، تحولت ساحة العروض في خور مكسر إلى مركز رئيسي للاعتصامات المفتوحة، حيث يحتشد الآلاف يومياً من مختلف الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية، في تعبير واضح عن تمسكهم بحق تقرير المصير ورفضهم لأي صيغة وصاية سياسية أو إدارية، سواء كانت داخلية أو خارجية، ويرى مشاركون أن هذه الاعتصامات تمثل امتداداً طبيعياً لمسار نضالي طويل، وليست مجرد رد فعل آني على مستجدات سياسية راهنة.
الجنوب عند مفترق التاريخ.. تضحيات شعبية ووعي إعلامي
يرى نشطاء وإعلاميون آخرون أن الاعتصامات تجاوزت كونها حالة احتجاجية تقليدية، لتتحول إلى حالة وعي سياسي وثقافي متقدمة، أعادت صياغة الخطاب الجنوبي حول مفهوم الدولة والهوية والسيادة، ويستدل هؤلاء على ذلك بتزامن الحراك الشعبي مع صدور بيانات ومواقف من اتحادات ونقابات مهنية طالبت بشكل صريح القيادة السياسية الجنوبية، ممثلة بالرئيس القائد عيدروس الزُبيدي، بالاستجابة لإرادة الشارع وإعلان دولة الجنوب العربي.
وفي هذا السياق، أوضح محمد ناصر العولقي، رئيس نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين في أبين، خلال محاضرة سياسية أقيمت في ساحة الاعتصام بمدينة زنجبار، أن الحراك الشعبي الحالي يعكس تراكماً تاريخياً لنضال الجنوبيين منذ انطلاق الثورة الجنوبية، مشدداً على أهمية تحويل الزخم الشعبي إلى مسار سياسي منظم يستلهم الدروس التاريخية لتحقيق الهدف القومي المتمثل في استعادة الدولة.
في ذات السياق قال الناشط السياسي وضاح بن عطية، إن الجنوب يقف اليوم عند لحظة مفصلية في تاريخه السياسي، بعد أن رسخت التضحيات الشعبية والميدانية مسار استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، ليصبح رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية.
وأوضح أن السيطرة الجنوبية على الأراضي والموانئ الحيوية، بالشراكة مع التحالف العربي، لم تكن مجرد إنجاز محلي، بل خطوة استراتيجية تعزز الأمن والاستقرار الإقليمي وتحد من نفوذ التنظيمات المتطرفة والمشاريع التخريبية، مؤكداً أن الدولة الجنوبية العائدة تمثل ضمانة للأمن القومي العربي والخليجي، وأن شعب الجنوب حسم قراره وأن أي تراجع عن هذا المسار لن يكون ممكنًا.
ومن جهته، أكد عبدالعزيز الشيخ، رئيس هيئة الإعلام والثقافة والسياحة في المجلس الانتقالي الجنوبي، أن المعركة التي يخوضها شعب الجنوب اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة إعلامية بامتياز، مشدداً على أن الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول في مواجهة “حملات التضليل المنظمة”، وأن الجنوبيين باتوا أكثر وعياً وتماسكاً وصلابة، وأن أي حملة تضليل أو هجمة إعلامية لا تزيدهم إلا ثباتاً وإصراراً على تحقيق أهدافهم.
كما نوّه الشيخ إلى تفهم الشعب الجنوبي لمن يقف إلى جانبه ومن يحاول النيل من قضيته، مشيراً إلى أن هذا يزيد من الالتفاف حول القيادة السياسية العليا وعلى رأسها الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي.
وأوضح الكاتب الصحفي هاني مسهور، إن سؤال لماذا نبدأ بالمطالبة بالاعتراف الدولي بدولة الجنوب لم يعد مجرد مسألة تكتيكية أو تفصيلية، بل أصبح وجودياً يحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
وأضاف مسهور، أن التجارب تؤكد أن الاعتراف لا يُمنح لمن ينتظر أو يختبئ خلف صيغ رمادية، بل يُنتزع حين تُرفع المطالبة إلى مستوى القرار السياسي الصريح.
وقال مسهور، إن تأجيل المطالبة بحجة “نضوج الظروف الدولية” يترك الجنوب في الفراغ الذي تستغله قوى معطلة مثل الحوثي وجماعة الإخوان لإعادة إنتاج الفوضى.
وأضاف مسهور، أن البدء بالمطالبة بالاعتراف يحدد سقف الصراع بوضوح، إذ يعلن الهدف: دولة جنوبية مستقلة ومعترف بها دولياً، وينهي المناورات السياسية ومحاولات الالتفاف نحو وصاية أو حلول مؤقتة.
وأختتم، أن المطالبة العلنية تعيد تعريف القضية، فالجنوب ليس ملفاً إنسانياً أو مشكلة أمنية، بل قضية تقرير مصير مكتملة الأركان، متوافقة مع القانون الدولي، وقادرة على ضبط الأرض ومكافحة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية الحيوية
آراء صحفيين ونشطاء عرب حول قضية الجنوب العربي واستعادة الدولة
أكد عدد من الصحفيين والأكاديميين والنشطاء العرب أن الجنوب العربي يمتلك هوية مستقلة وتاريخاً وثقافة خاصة، وأن الإرادة الشعبية والإنجازات الميدانية والسياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي تجعل المطالبة بالاعتراف الدولي حقاً مشروعاً وضرورة أمنية.
فأكدت الكاتبة والإعلامية العربية نورا المطيري: أن الجنوب العربي يمثل هوية مستقلة وشعباً وأرضاً وتاريخاً مختلفاً عن الشمال اليمني، بكل ثقافته ولغته وعاداته وعماره وأسلوب حياته منذ ما قبل الوحدة في العام 1990.
وقالت المطيري، إن كل محاولة لتذويب هويته أو سلخه عن جذوره فشلت، وظل الجنوب يقاوم منذ اجتياح 1994 وحتى اليوم لاستعادة حقوقه والسيادة على أرضه، بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي والرئيس عيدروس الزُبيدي، الذي لعب دوراً استثنائياً في استعادة “الذات والذاكرة الجمعية الجنوبية” وتجميع الشعب حول مشروعه الوطني، مع مواجهة مليشيات الحوثي والجماعات الإرهابية الأخرى مثل الإصلاح والقاعدة.
وأضافت المطيري، أن الشمال اليمني يعاني من فوضى مستمرة بسبب انقسام السلطة بين الحوثيين والإخوان والجماعات الإرهابية، إضافة إلى نفوذ القبائل والتدخلات الخارجية، ما جعله غير مستقر ويعجز عن إدارة مشروع سياسي أو اقتصادي متماسك، بينما يبني الجنوب مؤسساته ويخطو نحو الاعتراف الدولي مستفيداً من إرادته الشعبية وموارده وثرواته وموقعه الجيوستراتيجي من عدن إلى المهرة، الذي يمنحه قدرة على لعب دور محوري في أمن الخليج والملاحة الدولية، خصوصاً التحكم بمضيق باب المندب.
من جانبه، أكد الصحفي والإعلامي العربي د. توفيق جزوليت أن وسائل الإعلام العربية والدولية ركّزت على قدرة القوات المسلحة الجنوبية على فرض الأمن والاستقرار وحماية الأراضي والتصدي للتحديات الأمنية ومكافحة الجماعات الإرهابية، ما وضع المجلس الانتقالي الجنوبي في موقع قوة داخلي وإقليمي، وأكد دوره كقوة فاعلة في الحفاظ على المكتسبات الجنوبية.
وقال جزوليت، إن التطورات الميدانية والسياسية عززت الثقة الشعبية بالمجلس وفتحت المجال أمام اهتمام المجتمع الدولي بمسألة استعادة الدولة الجنوبية، وجعلتها ملفاً حاضراً بقوة في النقاشات الدبلوماسية والسياسية الإقليمية والدولية، بما يربط بين الأمن الإقليمي واستقرار اليمن بشكل عام.
وأضاف جزوليت، أن الإعلام لعب دوراً حاسماً في إبقاء القضية الجنوبية حاضرة في وعي الرأي العام العربي والدولي، مؤكدًا إرادة الشعب الجنوبي في استعادة دولته وحماية هويته، وأن هذا الزخم الإعلامي يشكل أرضية مهمة لتسريع المسار السياسي الذي يعترف بحق الجنوب في استعادة دولته بما يضمن الأمن والاستقرار ويجنب المنطقة مزيداً من الصراعات.
واختتم جزوليت حديثه بالتأكيد على أن هذه الإنجازات والمواقف الشعبية والسياسية تشكل قاعدة قوية للمطالبة الدولية بالاعتراف بدولة الجنوب.
قراءات دولية.. وتحذيرات من تجاهل قضية دولة الجنوب
وعلى المستوى الدولي، بدأت تطورات الجنوب تستقطب اهتماماّ متزايداً في دوائر القرار الغربية.
ويرى الخبير في شؤون المنظمات الدولية جمال العواضي، أن هناك حراكاً أمريكياً نشطاً داخل واشنطن قد يقود إلى لحظة تحول مفصلية في إدارة الملف اليمني، تتجه فيها الولايات المتحدة إلى لعب دور مباشر بالتعاون مع شركائها الإقليميين، بما يفضي إلى ترسيخ ما حققته القوات المسلحة الجنوبية وتعزيز نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي على كامل الأراضي الجنوبية، في إطار رؤية أوسع لمواجهة الإسلام السياسي بشقّيه الحوثي والإخواني.
وفي الاتجاه ذاته، يلفت الصحفي البريطاني تومي روبنسون، كبير كتّاب الرأي في الصحافة اللندنية، إلى أن دعم دولة الجنوب وتمكين القوات الجنوبية من مواجهة الإرهاب لا يخدم فقط تطلعات الجنوبيين، بل يمثل خياراً عملياً لحماية الأمن الإقليمي والدولي، محذرًا من أن تجاهل دعم القوى المحلية التي تخوض مواجهة مباشرة مع التنظيمات المتطرفة سيؤدي إلى انتقال خطر الإرهاب إلى المجتمعات الغربية نفسها.
واكد، في المحصلة يعكس تصاعد الاعتصامات في الجنوب حالة سياسية واجتماعية جديدة، تتقاطع فيها إرادة الشارع مع مواقف نخب إعلامية وتحليلات دولية، في لحظة قد تكون من أكثر اللحظات حساسية وتأثيرًا في مسار قضية الجنوب، وسط تساؤلات مفتوحة حول مآلات هذا الحراك وقدرته على فرض واقع سياسي جديد على المستويين المحلي والدولي.