اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

حنكة الرئيس القائد “الزُبيدي” ودهاؤه، الصبر المدروس الذي حوّل الجنوب إلى قوة محررة بالكامل

 

النقابي الجنوبي/خاص/هشام صويلح

منذ تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، لم يكن المشهد الجنوبي أمام مشروع سياسي تقليدي أو رد فعل عابر على اضطرابات الواقع، بل واجه عقلية قيادية أدارت الصراع بوعي ثاقب، بعيدًا عن انفعالات اللحظة. إذ أدرك الرئيس عيدروس الزُبيدي مبكرًا أن معركة الجنوب ليست حرب شعارات، بل صراع طويل النفس، تسير فيه السياسة والميدان في مسار متوازٍ، يهدف في نهايته إلى تحرير الجنوب العربي واستعادة دولته ذات السيادة الكاملة.

التأسيس وسط العواصف

جاء تأسيس المجلس في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ الجنوب؛ مع تعدد القوى وتشابك المصالح الإقليمية، وسط حضور قوات الاحتلال اليمني بأشكال مختلفة، وتراجع الثقة الشعبية بأي مسار لا يعبّر عن الإرادة الجنوبية الحقيقية. في ذلك التوقيت الحرج، اختار الزُبيدي طريق التثبيت والترسيخ بدل المجازفة، فأسس المجلس على قاعدة تمثيل جغرافي وسياسي واسع، ليكون إطارًا وطنيًا جامعًا وليس فصيلًا عابرًا.

تميزت قيادة الزُبيدي بعدم الانجرار إلى معارك جانبية، وحرصت على ألا يُستنزف المشروع الوطني في مواجهات غير محسوبة. كان يدرك أن خصوم الجنوب يمتلكون أدوات إرباك أكثر من أدوات الحسم، وأن الجنوب يحتاج إلى وقت كافٍ لإعادة ترتيب أوراقه، وبناء قواته، وتحصين جبهته الداخلية.

الصبر أداة استراتيجية

واجه المجلس الانتقالي على مدى سنوات حملات تشويه وضغوطًا سياسية ومحاولات احتواء متكررة. غير أن تعامل الزُبيدي معها تمحور حول منهج “الصبر الاستراتيجي”. فقد شارك في المفاوضات حين دعت الحاجة، وانسحب عندما أصبح الانسحاب تكتيكًا يُكسبه قوة، متمكنًا من فرض حضور الجنوب في كل المعادلات دون تفريط في ثوابته.

لم يكن هذا الصبر علامة ضعف، بل تجسيدًا لإدارة دقيقة للتوازنات المعقدة. حافظ الزُبيدي على ثقة الشارع الجنوبي المتعطش للتحرر، وفي الوقت نفسه أبقت قيادته قنوات الحركة السياسية مفتوحة، مدركًا أن لحظة الحسم الحقيقية لا تأتي بالضجيج، بل حين ينضج ميزان القوة لصالح الجنوب.

بناء القوة على الأرض: نواة جيش الدولة

بالتوازي مع العمل السياسي، أولى الرئيس الزُبيدي اهتمامًا خاصًا ببناء القوة العسكرية والأمنية الجنوبية على أسس وطنية ومنضبطة. لم تُبن هذه القوات كأدوات صراع داخلي، بل كـنواة صلبة لجيش الدولة الجنوبية القادمة. ومع الوقت، تحولت إلى عامل استقرار رئيسي في المحافظات المحررة، وحائط صد منيع أمام أي محاولات لإعادة فرض الهيمنة اليمنية.

شكّل هذا البناء العسكري المتدرج عاملًا حاسمًا في قلب معادلة الصراع، محولًا الجنوب من موقع الدفاع إلى موقع السيطرة والتحكم الفعلي على الأرض.

قراءة اللحظة والتحرك الحاسم “الانقضاض المحسوب”

عندما بدأت أوراق قوى الاحتلال اليمني بالتآكل، وتراجعت قدرتها على المناورة في وادي حضرموت والمهرة، لم يتسرع الزُبيدي باتخاذ القرار. انتظر حتى اكتملت شروط اللحظة الحاسمة: تقاطع الإرادة الشعبية الجارفة مع الجاهزية العسكرية الكاملة والغطاء السياسي المناسب. وتجلت هذه الإرادة الشعبية بوضوح في المليونيات المتتالية التي انطلقت في محافظات الجنوب منذ 2017، وبلغت ذروتها في “مليونية سيئون” التي سُميت بـ”أم المليونيات”.

ففي 30 نوفمبر 2025، احتشدت مدينة سيئون عاصمة وادي حضرموت بجماهير غفيرة من مختلف مديريات المحافظة احتفاءً بالذكرى الـ58 لعيد الاستقلال الوطني الجنوبي. وتميزت هذه المليونية برفع شعارات تؤكد الانتماء الجنوبي وترفض الاحتلال اليمني، مع منح تفويض كامل للقوات المسلحة الجنوبية لتحرير الوادي من قوات المنطقة العسكرية الأولى اليمنية. كما تضمنت مناشدة عاجلة للرئيس الزُبيدي لبدء عملية التحرير فورًا، وأصدرت في ختامها بيانًا رسميًا أكد تمسك أبناء حضرموت باستعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة.

مهّدت هذه المليونية الطريق ميدانيًا وسياسيًا لعملية “المستقبل الواعد” التي انطلقت في 3 ديسمبر 2025، وأسفرت عن تحرير وادي حضرموت والمهرة. وبعد التحرير، لم يتراجع الدعم الشعبي، بل تجدد بشكل لافت؛ حيث تشهد عواصم محافظات الجنوب العربي، منذ 7 ديسمبر 2025 وحتى اليوم، اعتصامات مفتوحة وفعاليات يومية حاشدة تشمل ندوات واحتفالات بالنصر، يطالب فيها المشاركون بإعلان دولة الجنوب العربي فورًا.

وفي أعقاب هذه الانتصارات التاريخية، وجّه الرئيس الزُبيدي تحية إلى شعبه، قائلاً: “أهنئ شعب الجنوب على الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة الجنوبية باستكمال تحرير وادي حضرموت والمهرة، مترحماً على أرواح الشهداء الذين قضوا دفاعاً عن الحرية والكرامة والسيادة، ومتمنياً الشفاء العاجل للجرحى.”

جنوب محرر.. ودولة في الطريق

اليوم، مع اكتمال تحرير الجغرافيا الجنوبية، يدخل الجنوب العربي مرحلة جديدة من تاريخه. لم يعد الحديث يدور عن “قضية جنوبية” مطروحة للنقاش، بل عن دولة قيد التشكل والتأسيس. هذا التحول الجوهري ما كان ليتحقق لولا الدهاء السياسي والإدارة الحكيمة للرئيس الزُبيدي، الذي عرف بدقة متى يفاوض، ومتى يصمت، ومتى يضرب، دون أن يفقد البوصلة الاستراتيجية أو يبدد رصيد الثقة الهائل الذي تمتع به.

أثبتت مسيرة السنوات أن القيادة التي تتحلى بالصبر الواعي لا تُهزم، وأن المشروع الذي يُدار بعقلية الدولة ينتصر في النهاية، مهما طال الطريق.

نحو السيادة: بداية المشوار الحقيقي

ما تحقق في وادي حضرموت والمهرة ليس نقطة نهاية، بل محطة انطلاق نحو مرحلة بناء السيادة الكاملة. والرئيس عيدروس الزُبيدي، بما راكمه من تجارب وحنكة، لم يعد مجرد قائد لمرحلة التحرير، بل أصبح مهندس تحول تاريخي أعاد للجنوب ثقته بنفسه، وقدرته على انتزاع حقه بيديه، وفق إرادته الحرة.

يدرك الجنوب العربي، وهو يخطو نحو مرحلة ما بعد التحرير، أن ما أُنجز ليس محض صدفة، بل هو ثمرة صبر طويل، وإرادة صلبة، وقيادة تملك حكمة الانتظار، وشجاعة الحسم في لحظتها الفاصلة.

زر الذهاب إلى الأعلى