حين تتحسن العملة وتنهار القدرة الشرائية.. غابت الرقابة.. ترندع التجار

النقابي الجنوبي/خاص
تشهد العاصمة عدن خلال الآونة الأخيرة موجة ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية والمعيشية والملابس إضافة إلى الأدوية والفحوصات الطبية والكشف في المستشفيات الخاصة فضلا عن إيجارات المنازل والمحلات التجارية في مشهد أعاد إلى الواجهة حالة فقدان الثقة المتنامية لدى المواطنين تجاه أداء السلطات المحلية والجهات الرقابية المختصة.
ويأتي هذا الارتفاع اللافت في وقت يشهد فيه سعر صرف العملة المحلية تحسنا ملحوظا واستقرارا نسبيا مع هبوطه بنسب كبيرة مقارنة بما كان عليه خلال الأشهر الماضية الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة حول أسباب استمرار الغلاء وغياب انعكاس التحسن النقدي على أسعار السلع والخدمات.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن عددا كبيرا من التجار استغلوا غياب الرقابة الفاعلة وتذبذب حملات التفتيش الميدانية لرفع أسعار السلع الأساسية والأدوية بصورة غير مبررة مستفيدين من ضعف آليات الضبط والمساءلة وعدم وجود قوائم سعرية ملزمة وموحدة تحكم حركة السوق من مستوى الاستيراد وحتى البيع بالتجزئة.
ويؤكد هؤلاء أن الفجوة بين تحسن سعر الصرف واستمرار الغلاء تعكس خللا بنيويا في إدارة السوق وليس مجرد اختلالات ظرفية.
وفي العاصمة عدن عبر مواطنون كثر عن استياءهم الشديد من الارتفاع المتواصل في أسعار معظم الأصناف مؤكدين أن قدرتهم الشرائية تراجعت بشكل حاد وأن دخلهم لم يعد يواكب تكاليف المعيشة المتصاعدة ما أثار موجة غضب واسعة في أوساط المستهلكين الذين طالبوا الجهات المعنية في وزارة الصناعة والتجارة والسلطات المحلية بسرعة التدخل وتكثيف الحملات الرقابية ووضع حد للتلاعب بالأسعار وحماية المواطنين من جشع بعض التجار.
وتشير بيانات رسمية إلى تسجيل خطة العمل المحدثة والتقرير التشغيلي لغرفة العمليات أكثر من خمسين ألف بلاغ من المواطنين في العاصمة عدن وعدد من المحافظات المجاورة وهو ما يعكس حجم السخط الشعبي من جهة وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي وتفاعل المواطنين مع قنوات الإبلاغ الرسمية من جهة أخرى.
ويرى مختصون أن هذا الرقم غير المسبوق يمثل مؤشرا خطيرا على اتساع رقعة المخالفات السعرية وفي الوقت نفسه فرصة للسلطات لتفعيل أدوات الرقابة والاستجابة الفاعلة لشكاوى المواطنين.
وطالب المواطنون في العاصمة عدن مكتب الصناعة والتجارة بمضاعفة الجهود ورفع وتيرة الأداء الميداني
في عموم المديريات بما يواكب تطلعات المواطنين ويسهم في تعزيز استقرار الأسواق وحماية المستهلك مؤكدين أن الحملات الموسمية أو المحدودة لا تكفي لمعالجة اختلالات متراكمة وأن المطلوب هو عمل رقابي مستدام وشفاف يفضي إلى نتائج ملموسة في ضبط الأسعار.
كما شدد المواطنون على ضرورة الإسراع في إعداد قائمة سعرية موحدة تشمل مختلف السلع تبدأ من كبار الوكلاء والموردين وصولا إلى مستوى التجزئة بهدف توحيد مرجعيات التسعير وتعزيز الشفافية في السوق المحلية ومنع التلاعب والفوضى السعرية التي باتت السمة الأبرز للأسواق في عدن.
وفي ذات الإتجاه تعميم مكتب الصناعة والتجارة بالعاصمة عدن الذي قضى بتحديد سعر ووزن مادة الروتي في كافة الأفران والمخابز ودخوله حيز التنفيذ يعد خطوة حاسمة تهدف إلى كبح جماح التلاعب بقوت المواطنين.
ينص التعميم الرسمي على اعتماد تسعيرة موحدة لا تقبل الاجتهاد حيث تم تحديد سعر القرص الواحد بـ (50 ريالاً) بوزن لا يقل عن (40 جراماً)، وسعر القرصين بـ (100 ريال)، فيما حُدد سعر الكيلوجرام الواحد بـ (1250 ريالاً) بواقع 25 قرصاً.
يأتي القرار استجابة للضرورة الملحة لضبط الأسواق وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين فيما يظل صموده وديموته وفرض القرار على كافة الأفران والمخابز وإلزامهم تنفيذه والعمل به ومحاسبة المخالفين للقرار بإغلاق أفرانهم بسحب التراخيص الممنوحة لهم ودفع الغرامات يظل كل ذلك رهين قيادتي السلطة المحلية ووزارة الصناعة والتجارة ومكتب الصناعة في العاصمة عدن بعدم التهاون مع أي مخبز أو فرن يثبت مخالفته للتسعيرة أو تلاعبه بالأوزان المقرة.
ورغم تحسن سعر صرف العملة المحلية بنسبة تقارب 50%، إلا أن أسعار الأدوية في العاصمة عدن ومعظم مدن ومناطق الجنوب واصلت مسار الارتفاع أو حافظت على مستوياتها السابقة المرتفعة في مشهد أثار سخطا واسعا خصوصا في ظل اعتماد شريحة كبيرة من المواطنين على الأدوية بشكل يومي وارتباط أسعارها المباشر بحقوق أساسية كالصحة والحياة حيث امتد هذا السخط إلى تأثير ارتفاع أسعار الأدوية على أسعار الكثير من السلع والخدمات الأخرى في ظل تداخل التكاليف وغياب الضبط.
ووفقا لشهادات عدد كبير من المستهلكين فإن هناك زيادة طرأت مؤخرا على أسعار المواد الغذائية والأدوية بنسبة تقارب 20%، رغم إعلان الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية بعدن عن بدء العمل بالتسعيرة الرسمية الجديدة والمعتمدة للأدوية في جميع الأسواق المحلية ابتداء من 25 أغسطس الماضي فيما يؤكد المواطنون أن هذه التسعيرة لم تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي على أرض الواقع وبقيت حبيسة البيانات الرسمية.
وفي هذا السياق شكى المواطن عبدالناصر طه أحد سكان عدن من استغلال حاجة الناس وتضارب أسعار الأدوية بين صيدلية وأخرى معبّرا عن صدمته من تناقض التصريحات الرسمية حول تطبيق التسعيرات المحسنة الجديدة في الوقت الذي لا يرى لها أثرا ملموسا في الواقع موضحا أنه اشترى أحد أدوية المعدة بمبلغ 4500 ريال ليتفاجأ بعد فترة قصيرة بارتفاع سعره إلى 7000 ريال دون أي مبرر واضح معتبرا أن هذا التلاعب يعكس غياب الرقابة وضعف المساءلة.
في المقابل تؤكد الهيئة العليا للأدوية والمستلزمات الطبية أن الإجراءات التي اتخذتها جاءت استجابة لتوجيهات رئاسة مجلس الوزراء وقرارات البنك المركزي بشأن تحديد أسعار العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بما ينعكس بشكل مباشر على عملية تسعير الأدوية والمستلزمات الطبية المستوردة.
وتشير الهيئة إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى الحد من التلاعب بالأسعار وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين، غير أن الواقع الميداني وفق ما يؤكده المواطنون لم يعكس حتى الآن أي أثر إيجابي ملموس لهذه الإجراءات.
وفي سياق متصل يكشف موردون وتجار أدوية عن وجود نقص في بعض الأصناف يعاني منه السوق المحلي نتيجة صعوبات بالغة في الاستيراد وتحديات تتعلق بتغطية احتياجات الأسواق بشكل مناسب سواء بسبب القيود المالية أو الإجرائية رغم أن معظم الصيدليات ومخازن الأدوية تعتمد بشكل كبير على التصنيع والتعبئة المحلية من شركات ومصانع ومعامل الأدوية في محافظتي حضرموت والضالع وعدد من المحافظات اليمنية الأخرى إلا أن ذلك لم يسهم في خفض الأسعار كما كان متوقعاً.
وكانت نقابة مستوردي وتجار الأدوية قد أكدت في وقت سابق التزامها الكامل بتخفيض الأسعار بما يضمن استفادة المواطن من تحسن الأوضاع الاقتصادية تماشيا مع تعافي سعر الريال اليمني غير أن مواطنين ومراقبين يشيرون إلى أن شركات الأدوية لا تزال ترفض تخفيض أسعارها وفقا لتحسن سعر الصرف في ظل غياب قرارات ملزمة ورقابة صارمة.
ولا يقتصر مشهد الغلاء على الغذاء والدواء فحسب بل يمتد إلى قطاعات أخرى من بينها المدارس الخاصة التي ترفض بدورها تخفيض الرسوم الدراسية رغم تحسن العملة ما يزيد من الأعباء على الأسر ويعمّق الإحساس العام بعدم العدالة الاقتصادية وغياب الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص في تحمّل تبعات الأزمة.
وفي ظل هذا الواقع يحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الفوضى السعرية دون تدخل حاسم سيقود إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي وتآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة مؤكدين أن استقرار العملة وحده لا يكفي ما لم يترجم إلى سياسات رقابية صارمة وإجراءات تنفيذية واضحة تضمن انعكاس التحسن النقدي على حياة الناس اليومية.
ويبقى السؤال المطروح في عدن اليوم هل تتحرك الجهات المعنية بجدية لوضع حد لهذا الغلاء غير المبرر أم يظل المواطن وحده يدفع ثمن غياب الرقابة في انتظار إجراءات طال أمدها بينما تتآكل قدرته على الصمود في وجه أعباء معيشية لا ترحم؟