اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

عيدروس الزُبيدي.. مشروع وطن لا صفقة سلطة

علي الحقب

في زمنٍ اختلطت فيه المواقف، وتهاوت فيه القيادات تحت ثقل المصالح والارتهان، يبرز فخامة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي كأحد القادة التاريخيين الذين يُصنعون في لحظات المفصل الوطني، لا أولئك الذين تصنعهم الصدفة أو تفرضهم التسويات. منذ عام 1994م، والرجل حاضر في قلب المعركة الجنوبية، قائدًا لا تابعًا، ومناضلًا لم يغادر موقعه، حتى أعاد للقضية الجنوبية اعتبارها، وانتزع لها موقعها الطبيعي، ووضعها في مسارها الصحيح بعد سنوات طويلة من التشويه والتغييب والاختطاف.

لم يأتِ الزُبيدي مدعومًا بقوات جاهزة، بل هو من بنى هذه القوات حجرًا فوق حجر، ودمًا فوق دم، فأنشأ قوات عسكرية جنوبية صلبة، عقيدتها الأرض والهوية، وأصبحت اليوم القوة الأبرز والأكثر تنظيمًا في المشهدين السياسي والعسكري اليمني. هذه القوات لم تُنشأ للاستعراض، بل خاضت معارك حقيقية، فحررت الجنوب، وأمّنت مدنه وسواحله وموانئه، وضربت الإرهاب في عقر داره، فقاتلت داعش والقاعدة، واجتثت أجنحة حزب الإصلاح الإخواني التي حاولت العبث بأمن الجنوب وتحويله إلى ساحة فوضى مفتوحة.

ولم تتوقف المعركة عند حدود الداخل، بل امتدت إلى أخطر الملفات الإقليمية، حيث تصدت هذه القوات لشبكات تهريب السلاح ومواد الطائرات المسيّرة التي كانت تتدفق عبر حضرموت وعُمان، في معركة صامتة لكنها مفصلية، أغلقت أهم الشرايين التي كانت تغذي الحوثي وتهدد أمن دول الجوار.

وفي معركة لا تقل شراسة، خاض الزُبيدي حربًا مفتوحة ضد الفساد المنظم، فكشف شبكات تهريب المشتقات النفطية التي كانت تعمل عبر محطات غير رسمية خارج إطار الشركات المعتمدة، وعرّى بالأدلة والصوت والصورة أكثر من عشرين محطة غير قانونية مملوكة لنافذين، كانت تنهب ثروات الشعب وتُدار كدولة داخل الدولة، في خطوة جريئة كسرت خطوطًا حمراء لم يجرؤ غيره على الاقتراب منها.

وعلى الأرض، بسطت القوات الجنوبية سيطرتها وتأمينها على ما يقارب 98% من التراب الوطني الجنوبي، في إنجاز غير مسبوق منذ عقود، أعاد للدولة هيبتها، وللأرض أمنها، وللمواطن كرامته. ولم يكن ذلك نهاية المشروع، بل جزءًا من رؤية استراتيجية أشمل، لوّح فيها الزُبيدي بتأمين الجنوب عبر تحرير البيضاء، وضمها مع مأرب وتعز ضمن إطار خاص في دولة الجنوب القادمة، إدراكًا منه أن الأمن لا يُبنى بالحدود الوهمية، بل بالعمق الاستراتيجي.

وفي موقف وطني مسؤول، أعلن استعداده لدعم أي قوى حقيقية تتحرك لاستعادة صنعاء من قبضة جماعة الحوثي، مؤكدًا أن معركة الجنوب لا تنفصل عن معركة العرب ضد المشروع الحوثي الإيراني، وأن سقوط صنعاء بيد الدولة هو مصلحة جنوبية وعربية في آن واحد.

كما شدد، قولًا وفعلًا، على حماية الأمن القومي العربي، وصون الممرات الدولية والمياه الإقليمية من الاستهداف الحوثي، رافضًا أن يكون الجنوب منصة تهديد للملاحة العالمية، بل جعله خط دفاع متقدم عن الاستقرار الإقليمي.

والأهم من كل ذلك، أن الزُبيدي تعامل مع دول الجوار والتحالف العربي بندية القادة لا بتبعية الوكلاء، شريكًا لا تابعًا، صاحب قرار لا منفذ أعمى، مثبتًا أن العلاقة مع التحالف يجب أن تُدار على أساس الشراكة والاحترام المتبادل، لا الارتهان ولا الإملاءات، وهو ما طالما رفعت الأحزاب اليمنية شعاراته، وعجزت عن تطبيقه.

إنه قائد استثنائي في زمن استثنائي، رجل دولة في مرحلة الفوضى، وقائد مشروع في زمن المشاريع المكسورة، سجلّه حافل، ومواقفه واضحة، وبوصلته لم تنحرف يومًا عن الجنوب وقضيته وأمنه ومستقبله.

هكذا يُقاس القادة… بالفعل لا بالشعارات، وبالإنجاز لا بالضجيج.

زر الذهاب إلى الأعلى