اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

لماذا ينصحوننا؟ ليس حباً.. بل حساب!

كتب/ هشام صويلح

هذه الأيام، تطالعنا منصات التواصل الاجتماعي بفيضٍ من “النصائح اليمنية الحكيمة” الموجهة للجنوبيين. النصيحة تتلخّص في دعوتنا للانسحاب “الاستراتيجي” من حضرموت والمهرة، قبل أن نخسر قواتنا، والعودة بمطالبنا إلى المربع صفر. تُقدَّم النصيحة بلسان عقلٍ رصين، مخلوطٍ بلطيفٍ من الترهيب: تذكير دائم بقوة السعودية وسلاحها الجوي.

طبعاً، يغلفونها بلفافة من “الحرص” على مصلحتنا. لكن كلمة “حب” هذه، غائبة عن معجمهم. السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه: ما الدافع الحقيقي إذن؟

من يتابع المشهد يجد أن الإجابة لا تخرج عن ثلاثة محاور، كلها تدور حول مصلحة الناصح، وليست المنصوح:

المحور الأول: جيش احتياطي لأجندتهم. الهدف الأساسي هو الإبقاء على القوات الجنوبية كرصيدٍ سليم في عدن ومحيطها من المحافظات الجنوبية، يُحفظ في “الثلاجة” لوقت الحاجة. الحاجة المعلنة هي استخدامها لاحقاً في المعركة الكبرى – إذا اندلعت – لـ “تحرير صنعاء”. باختصار، يريدوننا أن نبقى وقوداً لحروبهم، نُستهلك عندما تقتضي خططهم، ونتراجع عندما يأمرون.

المحور الثاني: الخوف من صمود الجنوبيين. يخشى الناصحون من سيناريو واحد أكثر من غيره: أن يصمد الجنوبيون في وجه الضغوط السعودية ويقاوموها. هذا الصمود يعني فشل خطط الإخضاع والاحتواء، ويفتح الباب أمام موازين قوى جديدة لا يريدونها، لأنه يقوّض حساباتهم وورقتهم الرابحة.

المحور الثالث: رهانهم الأخير على “درع الوطن”. هذا هو جوهر الخوف. معظم أفراد قوات “درع الوطن” جنوبيون. الكابوس الذي يطاردهم هو هزيمة هذه القوات أو – وهو الأسوأ بالنسبة لهم – انحيازها الكامل للجنوب. لو حدث هذا، فسيفقدون آخر ورقة يملكونها، وآخر أمل في البقاء على أرض الجنوب ككيانٍ أو مركز نفوذ سياسي. النصيحة “الحكيمة” هي محاولة يائسة لسحب البساط من تحت هذه السيناريوهات قبل أن تحصل.

النصيحة، إذن، ليست سوى محاولة لإدارة أزمتهم بأيدينا. هم لا ينظرون إلينا كشعبٍ له حق وقضية، بل كأرقام في معادلة، وقطع في رقعة شطرنج كبرى. يريدوننا أن نراهن على مستقبلنا بناءً على مخاوفهم هم، وليس بناءً على أهدافنا نحن.

لذا، عندما تسمع هذه النصائح “العقلانية”، تذكر أنها قادمة من عقلٍ يحسب مصلحته أولاً وأخيراً. القرار الأصعب – والأصح – هو ذلك الذي نصنعه بأنفسنا، بناءً على واقعنا وطموحنا، لا بناءً على مخاوف الآخرين وحساباتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى