مقال الكاتبة الجنوبية« روعة جمال».. حضرموت اليوم في تلاحم عظيم بين حاضر مشتعل وماضي عريق

كتب / روعة جمال
أسود الجنوب تطلّ في ليلةٍ يختلط فيها ضوء القمر ببارود المدافع، فتتشكل السماء لوحةً تحمل عبق الثورات ، وتشرق حضرموت من عمق التاريخ كصورةٍ حيةٍ لا تمحى. في ثنايا تلك الليلة العظيمة تتردد أصداء ثورةٍ لا تُنسى، تلك الشرارة التي انطلقت في الثلاثين من نوفمبر، حينما ارتفع صوت الجنوب مدوياً: “سننتزع أرضنا انتزاعاً”. كان ذلك النداء كالرعد الذي شقّ الصمت، وأيقظ في النفوس جرأة الأجداد الذين حملوا السلاح بقلوبٍ ملؤها الحب والوفاء.
اليوم، وبعد عقودٍ من الصبر والصمود، تخرج أسود الجنوب من غابات الذاكرة، تسير بخطى ثابتة نحو الوادي، تحمل في راياتها بشائر النصر، وتعلن للعالم أن حضرموت لم تعد رهينة لأحد. كان آخر جندي بريطاني قد غادر أرض عدن قبل عقود، تاركاً وراءه غبار المعارك وآثار الاستعمار التي تلاشت أمام صرخات الأبطال. وفي مشهدٍ يذكرنا بأمجاد الأجداد، تأتي أسود الحاضر لتودع آخر جندي شمالي يجرّ قدميه على تراب حضرموت، تاركاً وراءه صدى خطواته التي سوف تتلاشا أمام صرخات الأبطال،
إنها ساعات تفصلنا عن ذكرى ثرواتنا الخالدة، تتقدم قواتنا الجنوبية بكامل عتادها وعدتها، نحو الوادي الذي طالما شهد مرور القوافل التجارية، والآن يشهد مرور الجنود الأحرار الذين يرفعون راية الحرية عاليةً فوق الرمال. إنهم يخطون خطواتهم في رمال حضرموت، وكأن كل حبة رمل تردد أسماء الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل أن تعود حضرموت قلباً نابضاً للجنوب.
في هذا التلاحم العظيم بين حاضرٍ مشتعل وماضيٍ عريق، ترسم الثورة لوحةً من نورٍ ودم، تجمع بين قصص ألف ليلة وليلة وحكايات الأجداد الذين أبوا أن يخضعوا. إنها لحظةٌ تتجلى فيها روح الجنوب بأبهى صورها: الشجاعة، الوفاء، والإيمان الراسخ بأن النصر قريب. ندعو كل أبناء الجنوب، من حضرموت إلى عدن، ومن شبوة إلى المهرة، أن يرفعوا أصواتهم مع هذه البشارة، وأن يثبتوا أن حضرموت هي جنوبية الهوى والهوية، وأنها لن تكون مطية لأحد.
إننا نثق بقواتنا، أسود الجنوب، التي ذهبت وهي تحمل حب الوطن والإيمان الصادق بأن النصر قاب قوسين أو أدنى بإذن الله. فلتكن هذه الليلة شاهدةً على أن الجنوبيين قادرون على انتزاع حقهم بأيديهم، وأن لا قوة في الأرض تستطيع أن تطفئ شعلة الثورة التي أوقدها أجدادنا في الثلاثين من نوفمبر. إنها حضرموت، قلب الجنوب النابض، التي ستظل إلى الأبد رمزاً للصمود والتحدي، ومصدراً للأمل الذي لا ينضب.
وإلى أن يطلع فجر النصر الموعود، تبقى راياتنا مرفوعة، وقلوبنا مشتعلة، وعزمنا لا يلين. فليسمع العالم صدى خطوات أسود الجنوب وهي تقترب من الحرية، وليعلم الجميع أن حضرموت، أرض الحضارة والمحبة والسلام، ستظل جنوبية الهوى والهوية، شامخةً كما الجبال، ثابتةً كما الرمال، ومحفوظةً بحفظ الله ورعايته.