الصداقة بين زمنٍ كان يُحسّ وزمنٍ يُستَعرَض

عبدالسلام محمد قاسم
ليست الصداقة مجرد أسماءٍ محفوظة في الهاتف، ولا تفاعلاتٍ عابرة على منصات التواصل…
بل هي شعورٌ عميق، يُقاس بالمواقف لا بالكلمات، وبالثبات لا بالحضور المؤقت.
الصداقة الحقيقية هي تلك التي تجدها حين تضيق بك الحياة، لا حين تتسع.
هي يدٌ تمتدّ إليك دون أن تطلب، وقلبٌ يفهمك دون أن تشرح، وصوتٌ يطمئنك دون أن يتكلّف.
لكن، ومع تغيّر الزمن، يبرز سؤال مهم:
هل تغيّرت الصداقة فعلاً؟ أم نحن من تغيّرنا؟
في الماضي، كانت الصداقة تُبنى ببطء… لكنها كانت عميقة.
لم تكن هناك وسائل كثيرة للتواصل، لكن القلوب كانت أقرب.
كان الصديق يعرفك من نظرة، ويقف معك من موقف، ويصبر عليك لأن العلاقة عنده قيمة لا تُستبدل بسهولة.
كان اللقاء حدثًا، والغياب له معنى، والوفاء مبدأ لا يُناقش.
لم تكن العلاقات كثيرة… لكنها كانت حقيقية.
أما اليوم، فقد أصبح الوصول إلى الناس أسهل… لكن الوصول إلى القلوب أصعب.
كثرت العلاقات، وقلّ العمق.
صار بإمكانك أن تملك مئات الأصدقاء، لكنك قد لا تجد بينهم من يسمعك بصدق أو يقف معك عند الحاجة.
في زمننا هذا، أصبحت بعض الصداقات تُبنى على المصالح، أو تُدار بالمزاج، أو تنتهي بسبب خلافٍ عابر.
أصبحت السرعة تُفسد ما كانت الأيام تبنيه، وأصبح الظهور أهم من الجوهر في كثير من العلاقات.
لكن، ورغم هذا كله…
لا تزال الصداقة الحقيقية موجودة.
نعم، لم تختفِ… لكنها أصبحت نادرة، تحتاج إلى وعيٍ لاختيارها، وصبرٍ للحفاظ عليها.
فالصديق الحقيقي اليوم هو من بقي كما كان صديق الأمس:
وفيّ، صادق، حاضر، لا يتغيّر بتغيّر الظروف ولا يتلوّن بتغيّر المصالح.
الفرق بين الماضي والحاضر ليس في وجود الصداقة… بل في طريقة التعامل معها.
في الماضي، كانت الصداقة تُحفظ… واليوم كثيرًا ما تُستهلك.
في الماضي، كان الصديق يُصان… واليوم قد يُستبدل.
رسالة إلى أصدقاء الأمس:
أنتم الأصل… وأنتم المعيار الذي نقيس به صدق العلاقات. فلا تتخلّوا عن قيمكم، فهي ما زالت مطلوبة.
ورسالة إلى أصدقاء اليوم:
ليس المهم أن تكسب أصدقاء كُثر… بل أن تكون صديقًا حقيقيًا لمن حولك.
فالعلاقات لا تُقاس بعددها، بل بصدقها.
وفي النهاية…
تبقى الصداقة الحقيقية كالجوهرة، لا يبهت بريقها مهما تغيّر الزمن،
لأنها لا تُبنى على الظروف… بل على القيم.
الصداقة ليست زمنًا نعيشه… بل موقفًا نثبّت به إنسانيتنا.