اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

بعسسة.. قصة عملتين

 

كتب/ علي محمد سيقلي

 

منذ أعوام، وأنا أتابع هذه العلاقة المعقدة، العاطفية، المريبة، بين الريال اليمني وبقية العملات الأجنبية.
هي ليست علاقة تبادل، ولا احترام متبادل، ولا حتى صراع بين الندين،
بل أشبه بحب من طرف واحد.
الريال يلاحق، يتودد، يتنازل، يسقط، يتوسل، والدولار يدير ظهره، يرفع أنفه، ويصعد فوق ظهر المواطن دون أن يرف له جفن.
كل صباح، أفتح نشرة أسعار الصرف، لا لأطمئن على رصيدي في بنك القطيبي، بل لأقرأ فصول هذه القصة التراجيدية.
الريال اليمني يهبط دون كوابح، الريال السعودي، والدرهم الأماراتي يقفزان كراقصة بالية، والدولار ينظر للكل “بنص عين” من أعلى الطيرمانة.

صرت أشعر بالشفقة على الريال، أراه مثل رجل عجوز أُدخل العناية المركزة عنوة، منهك يرتدي زنة متسخة لا تعرف ريحة الصابون، يتكئ على وعود فارغة، ويُرغم كل يوم على “إثبات هويته” أمام لجنة من العملات الصلبة التي تأكل لحمه الاقتصادي نيئا.

في البداية كنت أعتقد أن انهيار الريال مجرد أزمة عابرة، ثم ظننته مؤامرة كونية، ثم قلت لنفسي ربما سوء إدارة،
حتى اقتنعت مؤخرا بأننا لا نعيش أزمة اقتصادية، بل نعيش حالة مرضية جماعية مزمنة اسمها “الاعتياد والتكيف مع الانهيار”.

أنا لا ألوم الريال، بل أتعاطف معه وأرثي لحاله، هو لم يختر هذا المصير المخزي، بل وضع في خزينة مثقوبة، بحراسة مجموعة لصوص، ثم اطلقوا عليه النار تحت مسمى “تحرير سعر الصرف”.
ثم قالوا له: “انهض وقم من بين الأموات ونافس”، وكيف له أن ينهض وهو يتنفس تضخما، ويأكل الوعود، ويشرب ماءً ملوثًا بقرارات اسعافية.
أحيانًا أضبط نفسي وأنا أقول:
“ربما الريال بحاجة إلى جلسة علاج نفسي جماعي، أو إلى منحة دولية من صندوق النقد، أو على الأقل، إلى حضن دافئ من مواطن لم يُصب بعد بهستيريا القات والسعر.”

لكن لا أحد يريد معالجته، ومعرفة أسباب مرضه، بل الجميع يستخدمه، يلومه، يحمّله تبعات الانهيار، ثم يرفعوا الأسعار، وينظموا ورشة عمل بعنوان: “كيف طحس الريال من السروال؟”

حكوماتنا ماشاء الله عليها، قررت إنقاذه بمزيد من البيانات، تقول فيها إن “الإجراءات قادمة” ونحن لها، وعيوننا مسلطة عليها، وهم يقصدون “الوديعة السعودية”.

يتوه الوزير منهم في زحمة التنقلات الوزارية، ويصل متأخرًا إلى سوق مليء بأكوام البلاوي. والشعب يريده أن يخيط لهم السروال حتى لا يضيع الريال.
أما عن المواطن، فهو الطرف الذي يُحب الاثنين، الريال والدولار، دون أن يحظى بأي حب منهما، يقبض راتبه العانتين والبيستين بالريال الدحباشي، ويدفع الإيجار بالدولار الأمريكي والريال السعودي. ويعيش في قلب معادلة لا تحترم المنطق: “كل شيء يرتفع ويعلو شأنه إلا المواطن الكحيان العريان”
أصبحنا لا نعرف كيف نخطط لمستقبلنا،
ولا حتى لغدنا، لأن “غدًا” في هذا البلد مرتبط بعبارة القضاء والقدر”.
وأمام هذا الخراب، لا نملك إلا الحيل الشعبية:
نشتري “بالثلاثة” قبل أن يرتفع السعر.
نؤجل الزواج، حتى ينهار الدولار (أو تنهار الخطبة). وشتري دولارًا، ثم نبيعه، ثم نكتشف أننا اشتريناه بسعر خاطئ، ثم ننجلط ونروح فيها.

العلاقة بين الريال اليمني وبقية العملات المحترمة، ليست علاقة “صرف عملة”، بل “صرف نظر”.
كل يوم ننصرف فيه عن التفكير في الحل الحقيقي، إلى التكيف مع المتاح ونحمد الله على العافية وقلة الحيلة.
أنا لا أنتظر معجزة اقتصادية، لكنني أطلب منكم فقط، إمنحوا الريال فرصة أن يعامل كعملة، لا ورق كلينكس.
أعطوه علاجا ناجعا، لا إسعافيا، أو على الأقل، لا تعاقبوه كلما عجز عن الوقوف.
وفي الختام، إذا سألتني اليوم، ماذا أعددنا للعلاقة بين الريال والعملات الأخرى؟
أقول لك بكل صدق، أن الحل هو ” الصميل الذي خرج من الجنة” جاء بعد رسالة الشعب الحضرمي البطل.
ولا تقول لي فلان السبب أو فلانة.
وسلامتكم.

زر الذهاب إلى الأعلى