محمد النعماني ومقاله “4 مايو… ذاكرة التفويض ومسار الاعتراف”

بقلم / محمد علي رشيد النعماني
في خطوة سياسية نوعية تحمل أبعاداً إستراتيجية وتاريخية، دشّن الرئيس عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عمل بعثة الجنوب الدبلوماسية في العاصمة الأمريكية واشنطن، في تزامن مدروس مع الذكرى الثامنة لإعلان عدن التاريخي في الرابع من مايو 2017، ذلك الإعلان الذي مثّل محطة فاصلة في مسيرة القضية الجنوبية وركيزة صلبة لبناء المشروع الوطني الجنوبي المستقل. هذه الخطوة، رغم رمزيتها السياسية في الوقت الراهن، إلا أنها تؤشر إلى نضج في الأداء السياسي للمجلس الانتقالي وقدرته على التوسع في ساحات العمل الدولي رغم تعقيدات الواقع وتشابكاته، وتأتي كنتيجة مباشرة لمسار طويل من العمل التراكمي الهادئ الذي بدأ منذ إعلان التفويض الشعبي للرئيس الزُبيدي. في ظل حصار اقتصادي ممنهج، وانهيار خدمي قاتل، وحرب مفتوحة تستهدف حياة المواطن الجنوبي اليومية، استطاعت القيادة السياسية للمجلس أن تثبت مجدداً أن العمل السياسي لا يخضع لظروف الإخضاع ولا لإكراهات الداخل الموجعة، بل يُصنع بالإرادة والصبر والرؤية بعيدة المدى. تدشين مكتب سياسي جنوبي في واشنطن، وإن لم يكن اعترافاً رسمياً بدولة الجنوب بعد، إلا أنه يمثل تحولاً مفصلياً في طريقة إدارة المعركة السياسية مع خصوم المشروع الجنوبي، ونقطة ارتكاز في الخطاب السياسي الذي يسعى لنقل القضية من الحيز المحلي إلى الفضاء الدولي الواسع، كما أنه يبعث برسائل قوية إلى القوى الإقليمية والدولية مفادها أن الجنوب يمتلك قيادة سياسية قادرة على التمثيل، والنقاش، وبناء العلاقات الخارجية، وهذا في حد ذاته كسب لا يُستهان به في زمن الصراع على الشرعية والتمثيل. خطاب الرئيس الزُبيدي الذي ألقاه خلال حفل التدشين جاء ليختصر المعنى الأعمق لما جرى، فقد تحدث بإيجاز لكنه حمل بين كلماته ثقة القائد الذي يسير بشعبه نحو هدف واضح رغم العواصف، مُلمّحاً إلى أن هذه البعثة ليست سوى بداية لمسار دبلوماسي أوسع، يتقاطع مع مضامين إعلان عدن التاريخي، خاصة ما ورد في فقرته الثانية التي شددت على الانفتاح الخارجي والبناء المؤسسي. وبعيداً عن التشكيك والقراءات المتسرعة، فإن فتح نافذة سياسية في العاصمة الأقوى عالمياً يُعد إنجازاً سياسياً له أبعاده الرمزية والدبلوماسية، ويجب على الجنوبيين أن يدركوا بأن هذا الإنجاز ما كان له أن يتحقق لولا صبرهم وصمودهم وتماسكهم خلف قيادتهم، التي رغم كل شيء، لا تزال تقاتل في الميدان وتحاور في العواصم وتبني للمستقبل، حجرًا فوق حجر.
محمد علي رشيد النعماني
4 مايو