اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

«هشام شرف» بين التبرير والتضليل.. تفكيك خطاب “التكنوقراط الضحية”

 

 

كتب/ أبا يوسف بن علي

 

 

 

في مقاله المعنون “الوزير هشام شرف”، يقدّم الكاتب والسياسي د. عيدروس نصر النقيب دفاعًا غير مباشر عن شخصية مثيرة للجدل كانت تشغل منصبًا رفيعًا في حكومة الانقلاب الحوثي–العفاشي، عبر خطاب ناعم يتظاهر بالموضوعية والإنصاف، لكنه في جوهره يحاول تبرئة أحد رموز الانقلاب من تبعات مشاركته السياسية والإدارية في نظام قائم على العنف والسلالة والهيمنة الطائفية.

 

ولأن هذا الخطاب لا يكتفي بالتبرير بل يُعيد ترتيب الوقائع لصالح رواية مشوشة، فإنه يستوجب قراءة تفكيكية منهجية تقوم على تحليل منطقه الداخلي، وفهم سياقاته، وكشف التناقضات التي يتكئ عليها، لتوضيح كيف تُستخدم اللغة كأداة لتزييف الوعي وتمرير أجندات لا تعلن نفسها بوضوح.

 

فالمقال لا ينطلق من موقف أخلاقي أو وطني واضح، بل يُلبّس المجاملة ثوب الحكمة، ويُروّج للتسامح بلا مساءلة، ويُلبس الخيانة لبوس الالتباس، وكل ذلك في محاولة لصناعة سردية تصالحية بلا محاسبة، تخدم مصالح قوى ما زالت تراهن على إعادة إنتاج نفوذها داخل الجنوب، عبر بوابة “العفو الناعم”.

 

 

 

أولًا: صناعة البراءة… تكنوقراط أم واجهة سياسية؟

 

في نبرة مشوبة بالتعاطف، يُقدّم هشام شرف كـ”كفاءة جنوبية” وقعت ضحية الظروف، لا كشخصية سياسية أدّت دورًا محوريًا في تثبيت الانقلاب الحوثي خارجيًا، من موقعه كوزير خارجية. لكن هذه الصورة تُخفي حقيقة أن شرف لم يكن مجرد موظف فني، بل كان وجه النظام في المحافل الدولية، وممثلًا رسميًا لمشروع العنف والطائفية، وناطقًا دبلوماسيًا باسم جماعة لم يعترف بها القانون الدولي.

 

ومع غياب أي مراجعة معلنة أو انسحاب حقيقي من المشروع الذي خدمه سنوات، يصبح تصويره كـ”ضحية” مجرد مناورة لغوية هدفها تبرئة سلوك سياسي طويل الأمد، لا حادثًا عابرًا أو لحظة سوء تقدير.

 

 

ثانيًا: تذويب المسؤولية في مستنقع الالتباس

 

 

من أخطر ما في المقال، تعميمه لفكرة أن “الخيانة والوطنية مفاهيم نسبية”، بزعم أن المشهد في البلد ملتبس وضبابي. وهذا التوصيف ليس فقط تهربًا من تحميل المسؤولية، بل تبريرًا مقنعًا لأي مشاركة مع أي طرف، ما دامت الظروف “غامضة”.

 

غير أن هذا التبرير، حين يُسقط على شخصيات سياسية تولّت مناصب سيادية، يحول التواطؤ إلى رأي، والخيانة إلى اجتهاد، وينسف أسس أي مساءلة وطنية أو عدالة انتقالية مستقبلية.

 

فلو كانت الأدوار والمسؤوليات بهذا القدر من النسبية، لأمكن لأي مجرم حرب أن يدّعي الالتباس، وينجو من الحساب.

 

 

ثالثًا: الهروب لا التوبة… والمواطنة ليست غطاء

 

 

يتساءل المقال عن مغزى توقيف هشام شرف في مطار عدن، معتبرًا أن السفر ليس تهمة. وهذا صحيح مبدئيًا، لكنه يتجاهل السياق: هشام شرف كان يحاول مغادرة البلاد بجواز فرنسي، وفقًا لمصادر أمنية، دون أن يُصدر أي مراجعة سياسية، أو إعلان ندم، أو حتى تصريح مواقف.

 

فهل التوبة تتم عبر المطار لا عبر المنابر؟

وهل يُكافأ الصمت الطويل على جرائم الانقلاب، بالسماح له بالمغادرة، أم يُسائل وفق القانون؟

 

إن تصوير الهروب كفعل بريء، هو قلبٌ متعمدٌ للحقائق، يسعى لتجريم الأمن وتبرئة المتورطين.

 

 

 

رابعًا: الجنوب ليس جدارًا خلفيًا للهاربين

 

 

يرفع الكاتب شعار “الجنوب يتسع لكل أبنائه”، ليطالب بالتسامح مع أمثال شرف، باعتبارهم “لم يطلقوا رصاصة ضد أهلهم”. غير أن هذه الحجة تُغفل أن الخيارات السياسية والدبلوماسية أخطر من الرصاص، لأنها تُشرعن الرصاصة وتبررها وتبرّد دم الضحايا.

 

ثم إن العودة إلى الجنوب لا تعني الغفران بلا حساب. فمشروع الجنوب الذي يتحدث عنه الكاتب، لم يُبنَ على التسامح الأعمى، بل على الحق والوضوح والعدالة.

 

فلا يصح أن يُستقبل من خدم الانقلاب، بينما يُحاصر أو يُشكّك في إخلاص من قاتلوه ودفعوا ثمنه.

 

 

 

خامسًا: المقارنة بالأسوأ لا تُبرّر الخطأ

 

 

يحاول المقال تمرير منطق “طالما استقبلنا طارق عفاش ورشاد العليمي، فلماذا لا نستقبل هشام شرف؟”. وهذه الحجة، بدل أن تُقنع، تكشف منطقًا تبريريًا خطيرًا: أن الخطأ المتكرر يُصبح قاعدة، والخلل في معيار المحاسبة يُبرر مزيدًا من التنازلات.

 

والأخطر، أن مثل هذه المقارنات تعكس انهيارًا في مفهوم المبادئ، وخلطًا بين التسويات السياسية الظرفية، وبين الشرعية الأخلاقية لمن يُراد إعادة تلميعه.

 

 

 

 

خاتمة: الجنوب بين الوضوح والتزوير

 

ما ورد في مقال “الوزير هشام شرف” ليس دفاعًا عابرًا عن شخص، بل محاولة لإعادة صياغة الوعي الجنوبي بلغة مشوشة، تقفز على الحقائق، وتستدعي العاطفة، وتتجاهل المحاسبة، وتُخفي في طيّاتها مشروعًا لإعادة تدوير الأدوات القديمة.

 

لكن الحقيقة ستظل واضحة:

الجنوب ليس مأوى للهاربين، ولا ملجأ للتكنوقراط الذين خدموا المشروع المعادي، ولا أرضًا مفتوحة للتوبة الصامتة.

 

الجنوب يتسع لمن يعترف، لا لمن يهرب.

ويحتضن من واجه، لا من زوّر.

ويقف مع من كشف الحقيقة، لا من صنع الضباب.

 

 

________________

 

على الهامش:

 

ردًا على الزعم بأن هشام شرف “جنوبي”، أوضح الدكتور سيف علي حسن الآتي:

 

“المدعو هشام شرف ليس له أي علاقة بالجنوب، ولم يدرس أو يعيش في الجنوب إطلاقًا… اسمه الكامل هشام شرف عبدالله، من سكان حوض الإشراف في محافظة تعز اليمنية، وله أشقاء معروفون في صنعاء، منهم من يعمل في مستشفى الثورة، كجراح وأخصائي قلب وجراحة عامة، بالإضافة إلى شقيقات يعملن في طب النساء والأسنان.”

 

 

وبذلك يتبيّن أن محاولة إضفاء الهوية الجنوبية على هشام شرف ادعاءٌ باطل، يستهدف تمرير خطاب العفو باسم “الانتماء”، ويقع في صلب التضليل السياسي الذي ينبغي فضحه.

زر الذهاب إلى الأعلى