مقالات الراي الجنوبي

القضية وما فيها : نظااام

 

بقلم/ محمد ناصر العولقي

في عام ١٩٨١ أو ٨٢ كان تناول القات ممنوعا في دولة الجنوب حينها ما عدا أيام الخميس والجمعة والإجازات الرسمية وكان هناك قانون بذلك وفيه عقوبات على من يتم ضبطه وهو مخزن أو يبيع قات في الأيام الممنوعة وكانت العقوبة هي :
السجن فترة لا تتجاوز ستة أشهر أو دفع غرامة لا تتجاوز ٢٠٠٠ شلن ( حوالي ٣٠٠ دولار ) أو كليهما .

وصادف أن أحد المقاولين الكبار حينها ( لا أتذكر هل هو العريفة أو الأحمدي أو غيرهما ) كان لامباليا الى حد كبير ، وكان يخزن في الأيام الممنوعة معتمدا على صداقته وقربه من الرئيس علي ناصر محمد وأيضا محمد علي أحمد وآخرين من قيادات الحزب والدولة والحكومة ولم يكن يتحرز كثيرا أو يحرص على السرية كما كان يفعل أناس كثيرون كانوا يتعاطون القات في الأيام الممنوعة ولكن بحذر وبقدر كبير من السرية خوفا من انفضاح أمرهم والوشاية بهم لدى السلطات وأيضا من باب وإذا بليتم فاستتروا .

وفي أحد الأيام طلعت النخوة والغيرة على سمعة الدولة والقانون والأجهزة الأمنية في رأس أحد ضباط الأمن ، وقام بعمل كمين للمقاول وضبطه متلبسا بالجرم المشهود متعاطيا القات فأودعه السجن .

تلفت المقاول يمينا شمالا فلم يجد حوله إلا جدران السجن والسجناء وضباط التحقيق والنيابة وزواره من أهله حاملين له الأكل البيتي والملابس وما يحتاجه من مستلزمات الإقامة ، وذاب من حوله في لحظة ودفعة واحدة كل ذلك الهيلمان ونشوة الثراء وقوة المال والنفوذ والقرب والصداقة لكبار رجال الحزب والدولة والحكومة الذين لم يتدخل أحد منهم وكأن لم يسمعوا به من قبل ، وظلوا ينظرون إليه من بعيد تاركين القانون يأخذ مجراه .

وبعد إجراء التحقيقات واعتراف المقاول بالتهمة تم تقديمه الى المحاكمة العلنية التي أذيعت عبر الإذاعة ‘ وحكمت عليه المحكمة حكما كان في مستوى التعبير عن هيبة الدولة وإعطاء الدرس لكل من يتحدى قوانينها أو يستهتر بها أو يستعلي عليها ضانا أن ماله ونفوذه وقربه وصداقته من كبار المسؤلين سيغنيه عن احترام القانون ، والتحليق فوق السقف المسموح به من التصرفات والممارسات المستفزة لهيبة الدولة وهيبة نظامها وأجهزتها المناط بها حماية القانون وإنفاذه .

لقد كان الحكم يحمل في دلالته معنى : إلزم حدك أيها المقاول الثري الغني ذو العلاقات الواسعة والنفوذ الكبير ، فنحن هنا … فقد قضى قاضي المحكمة بإدانة المقاول والحكم عليه بالسجن ستة أشهر وتغريمه ٣ فلسات ( حوالي ١٥ بنسا أمريكيا حينها ) !!!!

رأى القاضي أن يختار العقوبة الأقصى في الحكم ( السجن والغرامة ) ، ولأنه كان مهتما بلفت النظر الى هيبة الدولة واحترام القانون فقد اختار أيضا الفترة الأقصى في عقوبة السجن ( ٦ أشهر ) كأنه يقول للمقاول ومن خلاله لشريحة مراكز النفوذ والعلاقات الواسعة بالمسؤلين : خلهم ينفعوك !!!!

ومن جانب آخر أختار القاضي أن يحكم على المقاول الكبير بتغريمه غرامة تافهة وحقيرة للغاية لا تعد شيئا ٣ فلسات ( كانت العانة تساوي ٥ فلسات والشلن يساوي خمسين فلسا والدينار يساوي ألف فلس ) وكأنه أراد أن يقول للمقاول الثري جدا ولشريحة الأثرياء والتجار والأغنياء : القضية وما فيها نظاااااااام.