حبل في الزنزانة.. موت يفتح ابواب الاسئلة في سجن تعز اليمنية

النقابي الجنوبي/خاص
وفاة مجاهد الشعيبي بين الرواية الرسمية واتهامات التصفية السياسية
تقرير:
السميفع
جثة في زنزانة مغلقة
في مطلع نوفمبر 2025، وجد مجاهد الشعيبي، احد المحتجزين في سجن جهاز الامن السياسي بمدينة تعز، جثة هامدة في زنزانته الانفرادية. اعلنت السلطات الامنية ان الشعيبي «انتحر» بواسطة قميصه الذي لفه حول عنقه، غير ان طريقة الوفاة وموقعها وتوقيتها فتحت سلسلة من التساؤلات والشكوك حول ما اذا كان الامر فعلا انتحارا ام نهاية مريبة لشاهد محوري في ملف بالغ الحساسية.
الشعيبي لم يكن سجينا عاديا. فقد كان مرافقا سابقا للقيادي العسكري البارز حمود سعيد المخلافي، ويوصف داخل الاوساط المحلية بانه “صندوقه الاسود”، نظرا لالمامه بتفاصيل مالية وامنية تتصل بمرحلة الصراع المسلح في المدينة. اعتقل الشعيبي ضمن حملة امنية اعقبت اغتيال المقدم عبدالله النقيب، مدير امن مديرية التعزية، في اغسطس الماضي، وهي جريمة اثارت حينها عاصفة من الغضب والريبة.
الرواية الرسمية: انتحار ام اجراء ناقص؟
بحسب مصدر امني مطلع في تعز، فان التحقيقات الاولية افادت بان السجين اقدم على لف قميصه حول عنقه داخل زنزانته، مما ادى الى وفاته على الفور. واضاف المصدر ان الحادثة وقعت فجر احد ايام الاسبوع الاول من نوفمبر، وانه تم نقل الجثة الى ثلاجة مستشفى الثورة لاستكمال الاجراءات القانونية المعتادة باشراف النيابة الجزائية المتخصصة.
وقال المصدر ان «النيابة امتنعت عن نشر تفاصيل اضافية لحين استكمال التحقيقات الرسمية»، مؤكدا ان اجراءات المعاينة الاولية لم تكشف آثار عنف خارجي، وان التحقيقات الجارية ستحدد المسؤوليات ان وجد اي تقصير او شبهات جنائية. لكن هذه الرواية الرسمية، رغم وضوحها الاجرائي، لم تقنع كثيرين داخل المدينة التي اعتادت ان تتحول فيها الوقائع الامنية الى ملفات سياسية معلقة.
ثغرات تثير الشكوك في الرواية الامنية
بينما يصر جهاز الامن السياسي على فرضية «الانتحار»، تتداول مصادر ميدانية اخرى وبعض العاملين في السجن تساؤلات حول ملابسات العملية نفسها. احد السجانين، بحسب ما نقل في منشورات صحفية محلية، قال: «يقولون انه انتحر بحبل… لكن كيف دخل الحبل الى الزنزانة؟»
السؤال البسيط ظاهريا تحول الى محور نقاش واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره ناشطون مؤشرا على وجود خلل في الرواية الرسمية، او ربما تسترا على واقعة تصفية مدبرة.
مصادر محلية اخرى تحدثت عن محاولات من قبل «جهات ونافذين موالين لحزب الاصلاح الاخواني للتأثير على مسار التحقيقات وطمس الادلة»، دون تقديم دلائل ملموسة. ورغم ان هذه الاتهامات تظل في نطاق الشبهات، الا ان تداولها الواسع يعكس تآكل الثقة بين الجمهور والاجهزة الامنية في تعز، وهي فجوة تتسع مع كل حادثة مشابهة.
من هو مجاهد الشعيبي؟
تعود جذور القصة الى 21 اغسطس الماضي، حين اغتيل المقدم عبدالله النقيب، مدير امن مديرية التعزية، بانفجار عبوة ناسفة زرعت في سيارته وسط المدينة. كان النقيب من ابرز الضباط الذين واجهوا خلايا الاغتيالات في تعز خلال العامين الماضيين، واغتياله مثل ضربة قوية لجهاز الامن، ودفع السلطات الى تنفيذ حملة واسعة طالت عددا من المشتبه بهم، بينهم مجاهد الشعيبي.
من اغتيال النقيب الى وفاة الشعيبي: خيط واحد ام صدفة؟
وبينما كانت النيابة تستعد لعرض ملف القضية على القضاء، جاءت وفاة الشعيبي لتقلب الموازين، اذ فقد التحقيق احد ابرز المتهمين وربما الشاهد الاهم في شبكة الاتصالات المرتبطة بالقضية. ويخشى مراقبون ان تؤدي وفاته الى اضعاف مسار العدالة وتعقيد عملية كشف الجهات الفاعلة في اغتيال النقيب.
النيابة ومسار التحقيق
الجانب القانوني من القضية لا يقل غموضا عن الجانب الامني. فالنيابة، وفق مصادر قضائية، لم تصدر حتى تحرير هذا التحقيق تقريرها الرسمي، مكتفية بعبارة مقتضبة مفادها ان «التحقيق مستمر». وفي الوقت نفسه، تشير تسريبات غير مؤكدة الى ضغوط تمارسها شخصيات سياسية على اعضاء النيابة لمنع تسريب تفاصيل التحقيق الاولي الى الاعلام.
ويخشى مراقبون ان يتحول الصمت الرسمي الى شكل من اشكال ادارة الازمة لا حلها، خصوصا في بيئة اعلامية مسيسة تتغذى على الغموض. ويرى احد الصحفيين المحليين ان «التحقيق في مقتل النقيب كان اول اختبار جدي لمؤسسات العدالة في تعز، ووفاة احد المتهمين داخليا جعلت تلك المؤسسات في موضع الشبهة بدل ان تكون في موقع المراقب».
ردود فعل واتهامات بالتعتيم
ما ان اعلن عن وفاة الشعيبي حتى امتلأت صفحات الناشطين والمواطنين في تعز بأسئلة تطالب بـ«تحقيق شفاف ومستقل». كتب احد الناشطين المحليين: «اذا كان انتحر فعلا، فمن المسؤول عن الرقابة داخل السجن؟ واذا لم يكن كذلك، فمن المستفيد من موته؟»
في المقابل، فضل بعض المقربين من الاجهزة الامنية الدعوة الى «عدم التسرع في الاتهامات»، مؤكدين ان «القضية بيد النيابة وان نتائج التحقيق ستعلن قريبا». غير ان طول المدة دون صدور تقرير رسمي واضح جعل الشكوك تتعاظم، واعاد الى الاذهان حوادث سابقة داخل السجون لم تحسم حقيقتها حتى اليوم.
العائلة بين الانتظار والريبة
في خضم الجدل الامني والسياسي، تكاد الاصوات الانسانية تضيع. عائلة مجاهد الشعيبي التزمت الصمت حتى الان، واكتفت بمطالبة الجهات المختصة بتسليم الجثمان بعد انتهاء التحقيقات، وسط انباء عن محاولات لتأجيل الدفن الى حين صدور تقرير الطب الشرعي النهائي. لكن اقارب مقربين قالوا لوسائل محلية انهم «لن يقبلوا رواية الانتحار قبل الاطلاع على تقرير طبي موثق»، مشيرين الى ان ابنهم «لم يكن يعاني من اي اضطراب نفسي، وكان ينتظر الافراج او المحاكمة».
هذه الاصوات تضيف بعدا انسانيا ضروريا الى الملف، فالقضية لم تعد مسألة «وفاة سجين»، بل مسألة ثقة مفقودة بين المجتمع ومؤسسات العدالة.
بين الانتحار والتصفية… اين الحقيقة؟
حتى اللحظة، لا توجد رواية قاطعة تفسر ما جرى في زنزانة مجاهد الشعيبي. السلطات تصف ما حدث بانه انتحار، بينما تشير تساؤلات وشهادات الى احتمال التصفية، في حين يقف الشارع بين الشك والتصديق.
لقد تجاوزت حادثة الشعيبي حدود زنزانة مغلقة لتصبح مرآة لخلل اوسع في منظومة العدالة، حيث تتقاطع السياسة مع القانون وتغيب الشفافية عن مسار التحقيقات. وهكذا، فان مصير هذه القضية لا يختبر حقيقة وفاة سجين واحد فحسب، بل يختبر ما تبقى من قدرة تعز على انفاذ العدالة في بيئة انهكتها الصراعات والانقسامات.
كما قال احد المحامين المحليين: «لن تحدد هذه القضية مصير الشعيبي فقط، بل مصداقية العدالة في تعز برمتها، المدينة التي تبحث عن حقيقة تضيع كلما اقتربت منها».