#ورقة تقدير موقف:المغازلة الحوثية للجنوب وإعادة ترتيب حكومة الشرعية: تقاطع المصالح أم تمهيد لتسوية سياسية جديدة؟

إعداد: د. رضوان قاسم
أولاً: ماذا يحدث، وما الذي يجمع بين التحركين؟
أعتقد أن تزامن الحديث في الإعلام الحوثي عن قبول صيغة الدولة الاتحادية من إقليمين، شمالي وجنوبي، مع قرارات مجلس القيادة الرئاسي الأخيرة بإعادة توزيع بعض المناصب الوزارية وإسناد مواقع مهمة لشخصيات جنوبية، يستحق قراءة تتجاوز ظاهر الحدثين.
فنحن أمام تحركين مختلفين في الجهة والأدوات، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة: محاولة التأثير في الموقف الجنوبي وإعادة تشكيل علاقته بمستقبل الصراع والتسوية السياسية في اليمن.
ولفهم ذلك، ينبغي التمييز بين ما هو معلن وما يمكن استخلاصه من دلالاته السياسية.
ثانياً: ماذا يريد الحوثيون من طرح الدولة الاتحادية بإقليمين؟
ثمة ثلاثة تفسيرات محتملة:
1. استثمار التحول في المزاج الجنوبي.
يدرك الحوثيون أن القضية الجنوبية لم تعد مجرد مطلب إداري أو حقوقي داخل الدولة اليمنية، وإنما أصبحت قضية سياسية تتعلق بهوية الدولة ومستقبلها وحق تقرير المصير.
ومن ثم، فإن إظهار المرونة تجاه صيغة الإقليمين يمثل محاولة لاستمالة قطاعات جنوبية، أو على الأقل تخفيف حالة العداء السياسي والشعبي تجاههم.
2. توظيف الخلاف الجنوبي مع الرياض
في ظل التوترات القائمة بين السعودية والقوى الجنوبية، يمكن للحوثيين تقديم أنفسهم باعتبارهم طرفاً مستعداً للاعتراف ببعض المطالب الجنوبية، مقابل الطرف الذي يتمسك بوحدة اليمن تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي.
وهذه رسالة سياسية موجهة للجنوب بقدر ما هي موجهة للسعودية.
3. تفكيك الجبهة المقابلة.
إذا استطاع الحوثيون استقطاب بعض المكونات الجنوبية، أو إقناعها بأن مصالحها السياسية يمكن تحقيقها بالتفاهم مع صنعاء، فإن ذلك قد يضعف التماسك السياسي والعسكري للقوى المناهضة لهم.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن الترويج الإعلامي لصيغة الإقليمين لا يعني بالضرورة وجود قرار حوثي مؤسسي أو مبادرة تفاوضية مكتملة بهذا الشأن.
فلا بد من التحقق من صدور موقف رسمي واضح يحدد الصلاحيات والحدود والموارد والضمانات.
ثالثاً: ماذا تعني إعادة توزير الجنوبيين في حكومة الشرعية؟
التحرك المقابل لمجلس القيادة الرئاسي، وتحديداً القرارات التي أعلنها رشاد العليمي في 5 نوفمبر الجاري، يحمل بدوره رسائل سياسية واضحة.
فقد شملت التغييرات إبعاد وزير الإعلام معمر الإرياني وتعيين سالم العولقي خلفاً له، إلى جانب تعيين شخصيات جنوبية في مواقع حكومية أخرى، وإجراء تغييرات في بعض المواقع الإدارية والعسكرية.
وتشير التغطية الصحفية إلى أن هذه التغييرات جاءت بعد خسائر ميدانية للقوات الحكومية، وفي ظل الحاجة إلى استعادة التوازن السياسي وتعزيز مشاركة الجنوبيين.
الغارديان
ويمكن قراءة هذه الخطوات من ثلاث زوايا:
الزاوية السياسية: امتصاص الاحتقان الجنوبي وإظهار أن الحكومة ليست حكراً على القوى الشمالية.
الزاوية الأمنية والعسكرية: الاستفادة من الثقل البشري والعسكري الجنوبي في مواجهة التقدم الحوثي.
الزاوية التفاوضية: تحسين صورة مجلس القيادة أمام المجتمع الإقليمي والدولي باعتباره إطاراً جامعاً للمكونات اليمنية.
لكن ثمة مسألة جوهرية:
هل تعني زيادة عدد الوزراء الجنوبيين اعترافاً بالجنوب باعتباره طرفاً سياسياً صاحب قضية وحقوق وطنية مستقلة؟
بالطبع لا.
فالمشاركة في حكومة يمنية موحدة، مهما ارتفع مستوى التمثيل الجنوبي فيها، تختلف جذرياً عن الاعتراف بحق الجنوب في تقرير مستقبله السياسي.
رابعاً: هل هناك رابط بين التحركين؟
أرجح وجود تقاطع سياسي ووظيفي بين التحركين، لكن لا تتوافر حتى الآن أدلة كافية لإثبات وجود تنسيق مباشر أو خطة مشتركة بين الطرفين.
والأهم أن كليهما يتحرك في ظل متغيرات استراتيجية جديدة:
التقدم العسكري الحوثي وما يفرضه من ضغوط على مجلس القيادة.
تزايد الاعتماد على القوات الجنوبية في مواجهة الحوثيين.
تعثر معالجة القضية الجنوبية عبر الحوار الجنوبي الذي ترعاه الرياض.
تنامي أهمية الموقع الجنوبي في معادلة الأمن البحري، خصوصاً باب المندب وخليج عدن.
وهناك مؤشر إضافي يستحق الانتباه.
فقد ظهرت في 4 نوفمبر تصريحات للناشط الجنوبي عادل الحسني تحدث فيها عن رسائل ومبادرات منسوبة إلى قيادة الحوثيين، تتعلق بإبقاء المحافظات الجنوبية خارج المواجهة العسكرية المباشرة. لكن هذه الرواية منقولة عن صاحبها، ولا تمثل اتفاقاً موثقاً أو موقفاً تفاوضياً رسمياً معلناً.
وهذا يعزز أهمية مراقبة ما إذا كان الخطاب الحوثي يتجه نحو فتح قناة سياسية جنوبية مستقلة عن المسار السعودي.
خامساً: ما دلالة التوقيت؟
التوقيت هنا ليس تفصيلاً هامشياً.
فالتحركان يأتيان بينما تواجه الحكومة المعترف بها دولياً انتكاسات عسكرية، وتقترب المواجهات من مناطق جنوبية، وفي الوقت نفسه تحاول السعودية إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في المناطق الخاضعة للحكومة.
ومن ثم، يمكن فهم التوقيت باعتباره تنافساً على استمالة الجنوب قبل أن تتبلور تسوية جديدة للصراع.
الحوثيون يريدون توسيع هامش المناورة السياسية وتقليص عدد خصومهم.
ومجلس القيادة يريد تعزيز التماسك الداخلي والاستفادة من الثقل الجنوبي في مواجهة الحوثيين.
أما السعودية، فتظل معنية بمنع انهيار المعادلة الأمنية والسياسية التي تستند إليها في اليمن.
وهكذا يصبح الجنوب أحد أهم أطراف المعادلة، وليس مجرد ساحة لتداعيات الصراع بين صنعاء والرياض.
سادساً: ما الذي ينبغي أن ينتبه إليه الجنوبيون؟
أرى أن المسألة تحتاج إلى التعامل معها وفق خمسة مبادئ سياسية:
1. عدم الخلط بين الاعتراف بالقضية الجنوبية والاعتراف بحق تقرير المصير.
صيغة الإقليمين الفدراليين قد تبدو لأول وهلة أقرب إلى مطالب الجنوبيين من صيغة الأقاليم الستة، لكنها ليست بالضرورة حلاً للقضية الجنوبية.
فالإقليم الجنوبي داخل دولة يمنية واحدة يظل مختلفاً عن دولة جنوبية مستقلة ذات سيادة.
وهذا فارق سياسي ودستوري لا يجوز تجاوزه.
2. عدم رفض أي خطاب إيجابي قبل اختباره، وعدم منحه الثقة قبل التزامه.
إذا كان الحوثيون جادين في قبول حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم، فليعلنوا ذلك بوضوح، وليقدموا ضمانات سياسية ودستورية قابلة للتحقق.
ولا يكفي تغيير الخطاب الإعلامي لتغيير حقيقة الموقف السياسي.
3. عدم اعتبار التمثيل الوزاري بديلاً عن الشراكة الوطنية الجنوبية.
تعيين وزراء جنوبيين أمر يتعلق بتوزيع المناصب داخل سلطة قائمة، ولا ينبغي تقديمه باعتباره معالجة للقضية الجنوبية.
المعيار هو الاعتراف بالجنوب طرفاً سياسياً مستقلاً في أي مفاوضات تتناول مستقبل اليمن.
4. عدم الانجرار إلى حرب ليست حرب الجنوب.
من الضروري التمييز بين الدفاع عن الأرض الجنوبية ومواجهة أي تهديد عسكري لها، وبين تحويل القوات الجنوبية إلى أداة في صراع سياسي وعسكري لا يحدد الجنوبيون أهدافه أو نتائجه.
كما أن فتح قنوات التواصل السياسي لا يعني التحالف العسكري مع الحوثيين أو التخلي عن مقتضيات الأمن الجنوبي.
5. توحيد الموقف التفاوضي الجنوبي.
وهذه هي النقطة الأكثر أهمية.
لا ينبغي أن يتفاوض كل مكون جنوبي منفرداً مع الرياض أو صنعاء أو أي طرف إقليمي ودولي.
المطلوب جبهة وطنية جنوبية واسعة، تحتفظ فيها المكونات بهوياتها وخصوصياتها، لكنها تتفق على رؤية سياسية واحدة وتمثيل تفاوضي موحد، يستند إلى الوزن الشعبي والسياسي الحقيقي.
سابعاً: الخلاصة والتقدير
أمامنا احتمالان ينبغي عدم الخلط بينهما:
أن يكون الطرح الحوثي مقدمة لمراجعة حقيقية لموقف صنعاء من القضية الجنوبية، بما يفتح المجال لتسوية سياسية أكثر واقعية.
أو أن يكون مجرد مناورة سياسية لاستثمار الخلافات الجنوبية مع الرياض، وإضعاف الجبهة المقابلة، دون استعداد حقيقي للاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم.
والأمر ذاته ينطبق على التغييرات الوزارية في حكومة الشرعية؛ فقد تكون محاولة لتحسين المشاركة الجنوبية، لكنها لا تعني بالضرورة تغييراً في الموقف من مستقبل الدولة اليمنية.
أما نصيحتي السياسية للجنوبيين، فهي ألا يضعوا مستقبل قضيتهم رهناً بمغازلة هذا الطرف أو ذاك.
لا صنعاء تملك حق تقرير مستقبل الجنوب نيابة عن أبنائه، ولا الرياض، ولا مجلس القيادة الرئاسي، ولا أي قوة إقليمية أو دولية.
وفي المقابل، لا ينبغي إغلاق أبواب الحوار مع أي طرف، شريطة أن يكون الحوار على قاعدة الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح، لا على قاعدة استدراج الجنوب إلى خيارات سبق أن حسم الجنوبيون رفضها.
وأقترح أن يكون الموقف الجنوبي المعلن واضحاً:
نرحب بكل موقف يعترف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره، ونرحب بكل مبادرة توقف الحرب وتحمي أرواح اليمنيين، لكننا لا نقايض حقنا الوطني في استعادة دولتنا بأي مناصب وزارية أو وعود فدرالية لا تستند إلى إرادة شعب الجنوب الحرة.
فالجنوب يحتاج اليوم إلى امتلاك قراره السياسي، وتوحيد رؤيته التفاوضية، وتحصين جبهته الداخلية، مع إبقاء خيارات السلام والحوار مفتوحة.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة: لا نكون طرفاً في حرب الآخرين على حساب قضيتنا، ولا نكون ورقة في تسويات الآخرين على حساب مستقبلنا.
ملاحظة استراتيجية: ثمة درس تاريخي لا ينبغي إغفاله؛ فصيغة الإقليمين ليست اكتشافاً حوثياً جديداً. لقد طُرحت في مؤتمر الحوار الوطني عام 2014 من جانب ممثلين للحراك الجنوبي، مقابل مشروع الأقاليم الستة الذي أُقر لاحقاً بقرار رئاسي مثير للخلاف. ولذلك فإن إعادة تداولها اليوم لا تعني بالضرورة تبنياً حوثياً لمشروع الاستقلال أو حتى اعترافاً كاملاً بالحقوق السياسية للجنوب.
cambridge.org
وهذا تحديداً ما يستدعي من الجنوبيين التمييز بين الاعتراف بوحدة الإقليم الجنوبي جغرافياً وإدارياً، والاعتراف بحق شعبه في السيادة وتقرير المصير.