مليارات لأتباع الحوثي وملايين بلا رواتب.. أموال اليمنيين لشراء الولاء وتمويل التعبئة العسكرية

النقابي الجنوبي/صنعاء
تخصص مليشيا الحوثي مليارات الريالات لتمويل أسر قتلاها وجرحاها ومفقوديها، وتوسيع برامج الرعاية الموجهة حصراً لأتباعها، في وقت تواصل فيه حرمان ملايين الموظفين اليمنيين من رواتبهم، وتترك الأسر في مناطق سيطرتها تواجه الجوع وتكاليف المعيشة والعلاج والتعليم دون مصادر دخل مستقرة.
وكشفت البرامج التي دشنتها الجماعة، أواخر الشهر الماضي، ضمن فعاليات ما تسميه ”أسبوع الشهيد“، عن تخصيص نحو 9.34 مليون دولار، بما يعادل أكثر من 5.4 مليارات ريال يمني وفق الأرقام المعلنة، لتمويل مشروعات غذائية وطبية ومعونات نقدية وهدايا ومشروعات للتمكين الاقتصادي تستهدف أسر قتلاها وجرحاها ومفقوديها.
وتعكس هذه المخصصات اتجاهاً واضحاً في سياسة الجماعة المالية، يقوم على توجيه موارد ضخمة إلى الفئات المرتبطة بمشروعها العسكري والتنظيمي، بدلاً من توسيع مظلة الدعم لتشمل ملايين اليمنيين الذين يواجهون انهياراً معيشياً متفاقماً، وبينهم موظفو الدولة الذين انقطعت رواتبهم منذ سنوات.
وبحسب ما أعلنه صالح حمزة، نائب رئيس ما تسمى بـ الهيئة العامة لرعاية أسر قتلى الجماعة، فإن البرنامج يتضمن توزيع سلال غذائية بقيمة 3.36 مليون دولار، وهدايا رمزية بقيمة 2.61 مليون دولار، إلى جانب مشروعات الرعاية الدورية والتمكين الاقتصادي والدعم الصحي والنقدي الموجهة لأسر القتلى والجرحى والمفقودين.
ولا يقتصر الأمر على هذه المخصصات، إذ تحدث حمزة عن تسخير مليارات الريالات خلال العام الماضي لتنفيذ برامج نقدية وصحية وغذائية للفئات نفسها، بما يكشف اتساع شبكة الإنفاق التي تبنيها الجماعة حول منتسبيها وعائلاتهم، في مقابل غياب برامج مماثلة تستوعب احتياجات المجتمع بمختلف فئاته.
أموال الدولة في خدمة شبكة الولاء
وتواجه الجماعة اتهامات بتوظيف موارد الدولة وعائدات هيئتي الزكاة والأوقاف، اللتين أنشأتهما ككيانين موازيين للمؤسسات الحكومية، في تمويل أنشطة التعبئة وتعزيز الولاء السياسي والعسكري، بدلاً من توجيه تلك الموارد إلى تخفيف معاناة السكان وتوفير الخدمات الأساسية.
ويرى سكان في صنعاء أن تخصيص هذه المبالغ لفئة محددة، على أساس ارتباطها بالجماعة، يمثل تمييزاً صارخاً بين اليمنيين، خصوصاً مع استمرار حرمان الموظفين من رواتبهم، وتراجع قدرة الأسر على توفير الغذاء والدواء والاحتياجات الضرورية.
ويقول موظف حكومي في صنعاء، طلب عدم الكشف عن هويته، إنه لم يعد قادراً على توفير الاحتياجات الأساسية لأسرته المكونة من خمسة أطفال، بينما تخصص الجماعة المليارات لعائلات قتلاها وأتباعها، في وقت لا يجد فيه آلاف الموظفين ما يسد احتياجات أطفالهم.
ويعبر الموظف عن استيائه من حرمان ملايين اليمنيين من حقوقهم الأساسية في الغذاء والعلاج والتعليم، مقابل حصر المساعدات والامتيازات في دائرة المنتسبين للجماعة وعائلاتهم.
الفقر بوابة للتجنيد واستدامة التعبئة
ويرى مراقبون أن الجماعة تستخدم برامج الرعاية والمساعدات لاستمالة الأسر الفقيرة، وتحويل حاجتها إلى الغذاء والدعم المالي إلى وسيلة لتعزيز ارتباطها بالمشروع الحوثي، بما يهيئ بيئة اجتماعية أكثر قابلية لدفع مزيد من أبنائها إلى جبهات القتال.
وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة مع اتساع رقعة الفقر وتراجع مصادر الدخل، إذ تصبح المساعدات الموجهة أداة نفوذ داخل الأسر التي فقدت قدرتها على تأمين احتياجاتها، في وقت تتواصل فيه الحملات التعبوية والعسكرية للجماعة.
ويعبر رب أسرة فقيرة عن حسرته إزاء إنفاق المليارات على فعاليات ومشروعات الجماعة، بينما تواجه الأسر العادية خيارات قاسية بين تقليص احتياجاتها الأساسية والاستدانة، مع غياب مصادر الدخل المستقرة وتراجع فرص الحصول على المساعدات.
وفي ريف صنعاء، يقول موظف تربوي إن استمرار انقطاع الرواتب دفع آلاف المعلمين إلى البحث عن أعمال بديلة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات أسرهم، بعدما عجزوا عن تلبية احتياجات أبنائهم، رغم سنوات طويلة قضوها في خدمة قطاع التعليم.
وتكشف هذه المفارقة طبيعة الأولويات التي تفرضها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تتوسع برامج الإنفاق على أسر المقاتلين والموالين، بينما تتراجع قدرة المؤسسات العامة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والسكان.
ويأتي ذلك في وقت تصف فيه الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية في اليمن بأنها من بين الأسوأ عالمياً، مع استمرار انعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية وارتفاع معاناة ملايين السكان.