بن بريك يكشف كواليس الحرب وقصف القوات الجنوبية.. لماذا يرفض رهن استقلال الجنوب بتحرير الشمال؟

النقابي الجنوبي/رصد ومتابعة
يقدم ”النقابي الجنوبي“ تقريرًا موسعًا عن مقابلة نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي السابق هاني بن بريك، في برنامج ”السؤال الصعب“ على قناة ”سكاي نيوز عربية“، التي بُثت الاثنين 2 نوفمبر 2026، وتناول فيها كواليس الحرب ضد الحوثيين، وأسباب تعثر الحسم العسكري، وموقف السعودية من القوات الجنوبية، ومستقبل القضية الجنوبية ومشروع الاستقلال.
وفتح بن بريك خلال المقابلة ملفات شائكة تتصل بمسار الحرب والتحالفات السياسية والعسكرية، مقدمًا رواية حمّل فيها قيادة التحالف مسؤولية تأخير حسم المعركة ضد الحوثيين، واتهم أطرافًا في حزب الإصلاح بعرقلة العمليات العسكرية حول صنعاء. كما تحدث عن قصف القوات الجنوبية، معترفًا بأن القيادة الجنوبية بالغت في الثقة بالسعودية، رغم مشاركة أفراد من تلك القوات في الدفاع عن الحدود السعودية.
وامتدت المقابلة إلى طبيعة المشروع الحوثي وموقفه من الهوية الدينية للجنوب، واستحالة التعايش مع الجماعة وفق عقيدتها الحالية، وما وصفه بالتخادم بينها وبين تنظيم القاعدة لاستهداف الجنوب. وانتقد بن بريك المهادنة الأميركية مع الحوثيين، رافضًا أن يتحول الجنوب إلى أداة لتنفيذ المصالح الأميركية.
وفي الملف السياسي، دافع عن استقلال الجنوب ورفض ربط مستقبله بتحرير الشمال، مقدمًا ما وصفه بمعادلة ”الثلثين“ لتوضيح ما يراه من أهمية قيام دولة جنوبية بالنسبة إلى أمن المنطقة ومصالحها.
تأخير الحسم منح الحوثيين فرصة لبناء قدراتهم العسكرية
استهل بن بريك حديثه بتفسير أسباب تعثر المعركة ضد الحوثيين، معتبرًا أن الجماعة لم تكن بالقوة التي ظهرت بها لاحقًا، وأن القوات المناهضة لها كانت قريبة من إنهاء خطرها في مرحلة مبكرة من الحرب.
وأرجع تضخم القدرات العسكرية للحوثيين إلى ما وصفه بسوء إدارة الملف من جانب القيادات التي تولت قيادة التحالف، مؤكدًا أن تأخير الحسم أتاح للجماعة وحلفائها استثمار الوقت وإعادة بناء قدراتها.
وذهب إلى أبعد من ذلك حين وصف التأخير بأنه ”عملية مدروسة“، رأى أنها منحت الحوثيين فرصة للاستمرار وتلقي الإمدادات عبر التهريب والدعم الإقليمي. وقال إن الجماعة وصلت، نتيجة ذلك، إلى مرحلة باتت فيها قادرة على إطلاق الصواريخ باتجاه السعودية ودول الجوار وإسرائيل.
وبحسب روايته، لم يكن تضخم القوة الحوثية نتيجة قدرات ذاتية استثنائية منذ بداية الحرب، وإنما استفادت الجماعة من إطالة أمد المواجهة والفرص التي أتاحها غياب الحسم المبكر.
وتحمل هذه القراءة قيادة التحالف مسؤولية رئيسية عن التأخير الذي سمح للحوثيين بتطوير قدراتهم، وتطرح تساؤلات بشأن أسباب عدم استثمار التفوق العسكري الذي كان متاحًا للقوات المناهضة للجماعة في المراحل الأولى من الحرب.
الإصلاح واتهامات بعرقلة المعركة حول صنعاء
ربط بن بريك تعثر الحسم العسكري أيضًا بوجود عناصر من حزب الإصلاح داخل مؤسسات الحكومة الشرعية، وبما قال إنه نفوذ للحزب في بعض المحاور العسكرية المحيطة بصنعاء.
واعتبر أن هذا النفوذ كان من أبرز العوامل التي عطلت التقدم نحو إنهاء سيطرة الحوثيين، متحدثًا عن تخادم خفي بين جماعة الإخوان والحوثيين، رغم التناقض المعلن بين الطرفين.
وتقوم روايته على أن بعض القوى التي يفترض أن تكون ضمن معسكر مواجهة الحوثيين لم تتعامل مع المعركة باعتبارها أولوية، وأن حسابات سياسية وتنظيمية أعاقت توحيد الجهود العسكرية باتجاه الحسم.
وتضع هذه الاتهامات حزب الإصلاح في صلب تفسير بن بريك لأسباب تعثر العمليات العسكرية، خصوصًا في الجبهات المحيطة بصنعاء.
قصف القوات الجنوبية.. بن بريك يعترف بالإفراط في الثقة بالسعودية
انتقل بن بريك إلى واحدة من أكثر نقاط المقابلة حساسية، وهي قصف السعودية للقوات الجنوبية، متحدثًا عن صدمة القيادة الجنوبية من هذا التطور، وعن مراجعة حساباتها تجاه الحليف السعودي.
واعترف بأن الجانب الذي تتحمل القيادة الجنوبية مسؤوليته هو ”الإفراط في حسن الظن بالحليف“، موضحًا أنهم لم يتوقعوا أن تتعامل السعودية مع الجنوبيين وقيادتهم بهذا المستوى من الإخلال بعهود الشراكة والتحالف.
وقال إنه شخصيًا استبعد تمامًا، حتى قبل الضربة بلحظات، أن تقصف السعودية قوات جنوبية، معتبرًا أنها لا تمثل إيران ولا تشكل خطرًا على المملكة.
واستند بن بريك في توضيح حجم المفارقة إلى أن أفرادًا من القوات الجنوبية قاتلوا على الحدود السعودية دفاعًا عن المملكة. واستحضر هذه المشاركة ليشرح سبب استبعاد القيادة الجنوبية أن تتعرض قواتها للقصف من جانب حليف شارك الجنوبيون في القتال دفاعًا عنه.
وتكشف هذه التصريحات عن مراجعة تتجاوز التعبير عن الصدمة من الضربة، إلى الاعتراف بخطأ في تقدير طبيعة العلاقة مع الرياض. فبن بريك لم يكتفِ بالقول إن القيادة لم تتوقع استهداف قواتها، بل حدد موضع المسؤولية التي تتحملها في ”الإفراط في حسن الظن بالحليف“.
وأوضح أن القيادة الجنوبية لم تكن، قبل أحداث ديسمبر ويناير، تنظر إلى الموقف السعودي باعتباره معاديًا للجنوب، مشيرًا إلى أن المبررات المعلنة لتدخل التحالف كانت مواجهة التمدد الإيراني ومساندة الحكومة الشرعية.
وتبرز في حديثه مفارقة سياسية وعسكرية حادة: أفراد من القوات الجنوبية قاتلوا دفاعًا عن الحدود السعودية، فيما تعرضت قوات جنوبية للقصف السعودي. ومن هنا جاءت مراجعته للثقة التي منحتها القيادة للحليف، وللتوقعات التي بنت عليها استمرار الشراكة.
الخطر الحوثي يتجاوز التبعية لإيران
في حديثه عن طبيعة المشروع الحوثي، رأى بن بريك أن اختزال خطر الجماعة في ارتباطها بإيران لا يحيط بحقيقة التهديد الذي تمثله، معتبرًا أن المسألة تتصل أيضًا بعقيدة سياسية ودينية تقوم على تصدير الثورة وولاية الفقيه واحتكار الحق في الحكم.
وقارن بين هذا المشروع وأيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين، من زاوية السعي إلى تصدير الأفكار والمشروعات السياسية خارج الحدود الوطنية، وفق قراءته.
وقال إن الحراك الجنوبي رفض الاستقطاب الإيراني بسبب الاختلاف الأيديولوجي، وإن المشروع الذي ينشده الجنوبيون يقوم على إقامة دولة وطنية ترعى مصالح مواطنيها دون تمييز طائفي أو مذهبي.
ويضع هذا الطرح الخلاف مع الحوثيين في مستوى يتجاوز التنافس على السلطة أو السيطرة على مؤسسات الدولة، ليشمل طبيعة النظام السياسي والمرجعية الدينية التي يرى بن بريك أن الجماعة تسعى إلى فرضها.
الهوية الدينية للجنوب ورفض فرض المذهب بالقوة
خصص بن بريك جزءًا من المقابلة للدفاع عن الهوية الدينية للمجتمع الجنوبي، مؤكدًا أن الجنوب مجتمع سني شافعي، وأنه لن يقبل تغيير هويته الدينية بالقوة.
واستحضر ما قال إنه حدث عند دخول الحوثيين إلى عدن، مشيرًا إلى إعلان الأذان وفق الصيغة الزيدية، معتبرًا ذلك مؤشرًا على محاولة فرض تغيير ديني على المجتمع الجنوبي.
كما تحدث عن منع صلاة التراويح وبعض المظاهر الدينية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مستندًا إلى هذه الممارسات في تفسير مخاوفه من المشروع الديني للجماعة.
وأكد أن الجنوبيين سيدافعون عن هويتهم إذا فُرضت عليهم مواجهة بسببها، رافضًا أن تتحول الدولة أو السلطة إلى أداة لفرض مذهب أو عقيدة على المواطنين.
وفي المقابل، شدد على أن المشروع الجنوبي الذي يدافع عنه يقوم على دولة وطنية لا تميز بين المواطنين على أساس المذهب أو الطائفة، معتبرًا أن رفض الاستقطاب الإيراني والإخواني يرتبط بطبيعة الدولة التي يريدها الجنوبيون.
التعايش مع الحوثيين مستحيل.. والسلام مشروط بتغيير مشروعهم
كان موقف بن بريك من إمكانية التعايش مع الحوثيين من أكثر المواقف وضوحًا في المقابلة. فقد اعتبر أن التعايش مع الجماعة في ظل عقيدتها السياسية والدينية الحالية أمر مستحيل، بسبب ما يراه تمسكًا بفكرة الحق الإلهي في الحكم وتصدير الثورة.
وربط هذا الموقف بتجربة الهدنات منذ عام 2015، قائلًا إن الحوثيين لم يلتزموا بها، وإنهم استغلوها للتعبئة والتسليح وإعادة ترتيب صفوفهم. وحذر من استمرار الهدنات دون معالجة أسباب الحرب، معتبرًا أن منح الجماعة فترات توقف متكررة يسمح لها بتعزيز قدراتها العسكرية بدلًا من الوصول إلى تسوية تنهي الصراع.
لكن بن بريك ميّز بين رفض التعايش مع الحوثيين وفق عقيدتهم الحالية وبين رفض السلام من حيث المبدأ. وأوضح أنه لا يعارض وقف الحرب إذا جنحت الجماعة للسلم، لكنه يرفض أن تحتفظ بالجيش والسلاح ومؤسسات الدولة مع استمرار تمسكها بالعقيدة التي يراها قائمة على احتكار الحكم.
ويعني هذا الموقف، وفق ما طرحه في المقابلة، أن وقف القتال وحده لا يكفي لإنهاء الصراع، ما دامت الجماعة متمسكة بمشروعها السياسي والعقائدي، وما دامت الهدنات لا تقود إلى معالجة أسباب المواجهة.
كما رأى أن سقوط النظام الإيراني، إذا حدث، سيؤثر في الحوثيين من الناحيتين المالية والعسكرية، لكنه لن ينهي بالضرورة فكر الجماعة، لأن جذور المشكلة، في نظره، تتجاوز الدعم الإيراني المباشر.
وتطرق إلى الخلاف بين الحوثيين والزيدية اليمنية، معتبرًا أن الجماعة لا تمثل الزيدية التقليدية، وأن توجهها أقرب إلى الفكر الاثني عشري الإيراني، مستندًا إلى قراءته وبحثه في هذا الملف.
اتهام الحوثيين والقاعدة بالتخادم ضد الجنوب
وفي محور التنظيمات المتطرفة، تحدث بن بريك عن وجود تنظيم داعش في اليمن، وقلل من حجم حضوره، واصفًا وجوده بأنه فردي ولا يمتلك هيكلًا تنظيميًا قويًا.
أما تنظيم القاعدة، فقال إن عملياته في اليمن تتركز في مناطق الجنوب، وإنه لا يشهد عمليات مماثلة تستهدف معسكرات الحوثيين، معتبرًا أن هذا التباين يكشف عن وجود تخادم بين الطرفين لاستهداف الجنوب.
وأشار إلى أن ما يطرحه يستند إلى محاضر تحقيق وعمليات معلنة، واتهم الحوثيين والقاعدة بالاستفادة من تقاطع المصالح في مواجهة القوات الجنوبية.
ويعكس هذا الاتهام طبيعة التهديد الأمني الذي يتحدث عنه بن بريك، إذ يرى أن الجنوب يواجه مسارين متقاطعين: المشروع الحوثي المسلح، والتنظيمات المتطرفة التي تنشط في مناطق جنوبية.
بن بريك ينتقد المهادنة الأميركية.. ”لست شرطيًا لأميركا في المنطقة“
وجه بن بريك انتقادًا واضحًا للسياسة الأميركية تجاه الحوثيين، متسائلًا عن إمكانية بناء علاقات ومصالح مع جماعة ترفع شعار ”الموت لأميركا والموت لإسرائيل“.
وأقر بوجود تواصل أميركي مع الحوثيين لأغراض سياسية، لكنه انتقد ما اعتبره مهادنة للجماعة أو تغليبًا للمصالح الأميركية على حساب مصالح دول المنطقة المتضررة من أنشطتها.
وقال إن السياسة ينبغي أن تقوم على مصالح مشتركة، لا على تحقيق مصلحة طرف عبر الإضرار بالآخرين، مؤكدًا إيمانه بما وصفه بالسياسة النظيفة التي لا تبني المكاسب على حساب أمن الجوار.
وفي موقف لافت، رفض بن بريك أن يقدم الجنوب نفسه باعتباره أداة لتنفيذ المصالح الأميركية في المنطقة، قائلًا: ”أنا لست شرطيًا لأميركا في المنطقة“.
ويعكس هذا التصريح رفضه أن تكون القوات الجنوبية طرفًا يؤدي دورًا أمنيًا بالوكالة عن واشنطن، مع تأكيده في الوقت نفسه أن الجنوب يمكن أن يقيم علاقات مع الولايات المتحدة على أساس المصالح المتبادلة.
كما أشار إلى أن واشنطن تدرس تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، وفق ما كان مطروحًا في سياق حديثه، معتبرًا أن التعامل مع الجماعة ينبغي أن يأخذ في الحسبان تهديداتها لدول المنطقة.
ويجمع موقفه من الولايات المتحدة بين انتقاد التعامل السياسي مع الحوثيين ورفض تحويل الجنوب إلى طرف ينفذ أجندة خارجية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام علاقات تقوم على المصالح المشتركة وعدم الإضرار بأمن الجوار.
لماذا يرفض بن بريك ربط استقلال الجنوب بتحرير الشمال؟
في المحور السياسي المتعلق بمستقبل الجنوب، رفض بن بريك إخضاع مشروع الاستقلال لنتائج الحرب في الشمال، متسائلًا عن جدوى ربط مصير شعب الجنوب بتحرير مناطق لم تنجح القوى الشمالية في استعادتها.
وقال إنه ليس من حق الأشقاء في السعودية أو القوى اليمنية الشمالية فرض هذا الربط على الجنوب، معتبرًا أن النخب الشمالية لم تتحرك بالجدية الكافية لتحرير المناطق الخاضعة للحوثيين.
ورأى أن انتظار تحرير الشمال قبل تقرير مستقبل الجنوب يعني إبقاء القضية الجنوبية معلقة بمسار عسكري وسياسي لا يملك الجنوبيون التحكم فيه، كما يعني تحميل الجنوب تبعات إخفاقات أطراف أخرى.
ولم يطرح بن بريك استقلال الجنوب باعتباره قرارًا منفصلًا عن مصير الشمال، بل قدم له مبررًا يرتبط أيضًا بموازين السيطرة على الأرض ومستقبل الصراع مع الحوثيين. وفي هذا السياق طرح ما سماه ”حسبة الثلثين“، مشيرًا إلى أن الجنوب يشكل ثلثي مساحة اليمن، وفق تقديره.
وبنى على هذه المعادلة قوله إن استقلال الجنوب سيمنع وقوع هذه المساحة تحت سيطرة الحوثيين، ويحول دون امتداد سيطرتهم إلى كامل الجغرافيا اليمنية تقريبًا. كما رأى أن قيام دولة جنوبية يمكن أن يوفر قاعدة آمنة وسندًا للشماليين في مساعيهم لتحرير مناطقهم، بدلًا من إبقاء الجنوب مرتبطًا بمصير عسكري لا يملك التحكم في مساره.
وقدم بن بريك هذه المعادلة باعتبارها مصلحة للجنوب والمنطقة، معتبرًا أن قيام دولة جنوبية مستقلة سيصبح في مرحلة مقبلة مصلحة لدول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية، لأن وجود دولة مستقرة في الجنوب، وفق رؤيته، سيخدم الأمن الإقليمي ويحد من تمدد الحوثيين.
وتكشف هذه الرؤية عن رفض واضح لأي صيغة سياسية تجعل استعادة الشمال شرطًا مسبقًا لتقرير مستقبل الجنوب. كما تنقل النقاش من سؤال انتظار نتائج الحرب إلى سؤال آخر: لماذا يُطلب من الجنوب تعليق قضيته حتى تنجح القوى الشمالية في استعادة مناطقها، بينما يمكن لقيام دولة جنوبية، وفق طرح بن بريك، أن يشكل عاملًا مساعدًا في مواجهة الحوثيين؟
الجنوب ليس امتدادًا للاشتراكية أو للمشروعات الأيديولوجية
وفي ختام المقابلة، دافع بن بريك عن هوية الجنوب السياسية والاجتماعية، رافضًا اختزال المجتمع الجنوبي في التجربة الاشتراكية التي حكمت الجنوب سابقًا.
وقال إن وجود حزب اشتراكي في السلطة خلال مرحلة سابقة لا يعني أن المجتمع الجنوبي كله اعتنق الاشتراكية أو تبنى العقيدة السوفيتية، مشيرًا إلى استمرار المظاهر الدينية وامتلاء المساجد بالمصلين وإعلان الأعياد والمناسبات الإسلامية خلال تلك المرحلة.
كما أكد أن الجنوبيين، في الوقت الراهن، ليسوا مؤدلجين لمصلحة جماعة الإخوان أو مشروع ولاية الفقيه، ولا ينبغي وضعهم في قالب أيديولوجي واحد بسبب تجارب سياسية سابقة.
ويأتي هذا الدفاع امتدادًا لحديثه عن الدولة الوطنية والهوية الدينية، ومحاولة للفصل بين المجتمع الجنوبي وبين الأيديولوجيات التي تعاقبت على السلطة أو حاولت استقطابه. فبن بريك يرفض أن تُختزل هوية الجنوب في تجربة الحزب الذي حكمه سابقًا، مثلما يرفض إخضاع مستقبله لمشروعات سياسية ودينية لا يرى أنها تمثل المجتمع الجنوبي.
مراجعة التحالف وفصل مصير الجنوب عن الشمال
تتقاطع محاور المقابلة عند ثلاث رسائل رئيسية في خطاب بن بريك. الأولى تتعلق بمسؤولية قيادة التحالف عن تأخير حسم الحرب، وما ترتب عليه من منح الحوثيين الوقت لتطوير قدراتهم، إلى جانب اتهام أطراف في حزب الإصلاح بعرقلة العمليات العسكرية حول صنعاء.
والثانية تتصل بمراجعة العلاقة مع السعودية بعد قصف القوات الجنوبية. فقد أقر بن بريك بأن القيادة الجنوبية بالغت في الثقة بالحليف، واستحضر مشاركة أفراد من القوات الجنوبية في الدفاع عن الحدود السعودية لتفسير سبب استبعادها تعرض قواتها للقصف.
أما الرسالة الثالثة فتتعلق بمستقبل الجنوب، حيث رفض بن بريك ربط الاستقلال بتحرير الشمال، وقدم معادلة الثلثين لتوضيح ما يراه من مصلحة قيام دولة جنوبية في منع تمدد الحوثيين وتوفير سند للشماليين في معركتهم لاستعادة مناطقهم.
وبين هذه الملفات، يربط بن بريك موقفه من الحوثيين بطبيعة مشروعهم السياسي والديني، لا بمجرد سيطرتهم العسكرية، ويرى أن الهدنات التي لا تنهي أسباب الصراع تمنح الجماعة فرصة لتعزيز قوتها، فيما لا يمكن تحقيق تعايش مستقر معها ما دامت متمسكة بعقيدتها الحالية.
وتكشف المقابلة، في مجملها، عن مراجعة بن بريك لحسابات التحالف والثقة بالسعودية، بالتوازي مع تمسكه بفصل مستقبل الجنوب عن نتائج الحرب في الشمال. وهي مواقف تضع القضية الجنوبية أمام أسئلة تتصل بطبيعة الشراكات الإقليمية، وحدود الثقة بالحلفاء، وشروط أي تسوية مقبلة، وموقع مشروع الاستقلال في معادلة الصراع مع الحوثيين.