العلم الجنوبي والنشيد الوطني… ذاكرة شعب لا تُمحى من المدارس

زيد بن حريز
في ظل ما أُثير مؤخراً حول توجيهات تتعلق بعدم رفع العلم الجنوبي أو ترديد النشيد الجنوبي في مدارس العاصمة عدن وعدد من محافظات الجنوب، تبرز قضية تتجاوز حدود الطابور المدرسي ومراسم افتتاح اليوم الدراسي؛ إنها قضية ترتبط بالهوية والذاكرة والتاريخ السياسي لشعب الجنوب.
فالعلم الجنوبي، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب، ليس مجرد قطعة قماش، والنشيد الجنوبي ليس مجرد كلمات تُردد في الصباح؛ بل يمثلان رمزين ارتبطا بتاريخ طويل من النضال والتضحيات، وبمرحلة سياسية ما زالت حاضرة بقوة في الوعي الجنوبي.
هل يُطلب من الطالب أن ينسى تاريخ شعبه؟
إن المدرسة ليست مكاناً لتلقين الطالب المعلومات العلمية فقط، وإنما هي أيضاً المؤسسة التي يتعرف من خلالها على تاريخ مجتمعه وثقافته وهويته وذاكرته الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن الطالب الجنوبي من حقه أن يتعرف على تاريخ شعبه، ومراحل نضاله، والأحداث التي مر بها، والتضحيات التي قدمها أبناؤه، وأن يدرس هذه القضايا في إطار تعليمي وتاريخي موثق، بعيداً عن التزييف أو الإلغاء.
ولا يمكن بناء وعي سليم لدى الأجيال من خلال حذف مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع أو التعامل مع رموزه وكأنها لم تكن موجودة.
العلم الذي حملته أجيال وتحت رايته سقط الشهداء
ارتبط العلم الجنوبي خلال السنوات الماضية بحراك سياسي ومجتمعي واسع، كما ارتبط لدى مؤيديه بتضحيات قدمها أبناء الجنوب في مراحل مختلفة.
ولهذا فإن رؤية هذا العلم في المدرسة تحمل لدى كثير من الأسر والطلاب معنى يتجاوز المظهر الاحتفالي؛ فهي تذكير بتاريخ عاشته أسرهم ومجتمعاتهم، وبأشخاص قدموا حياتهم دفاعاً عن قضايا ومواقف آمنوا بها.
ومن هنا تأتي حساسية محاولة التعامل مع العلم والنشيد باعتبارهما مجرد رمزين يمكن إلغاؤهما بتوجيه إداري.
فالرموز قد تُنزل من الساريات، لكنها لا تُنزل بسهولة من الذاكرة.
النشيد جزء من الذاكرة الوطنية
وكما هو الحال مع العلم، فإن النشيد الجنوبي يمثل لدى مؤيديه تعبيراً عن الانتماء والذاكرة الجماعية.
وإذا كان هناك نقاش حول استخدام الأناشيد والرموز داخل المؤسسات التعليمية، فإن الحل ينبغي أن يكون من خلال إطار قانوني وتعليمي واضح، يحدد ما يُعتمد في المدارس، ويشرح للطلاب تاريخ هذه الرموز ودلالاتها، بدلاً من ترك القضية رهينة للتوجيهات المتغيرة أو الصراعات السياسية.
فالطالب يحتاج إلى أن يتعلم لماذا يختلف الناس حول هذه الرموز، وكيف تشكلت هذه الاختلافات تاريخياً، وما الذي تعنيه لكل طرف.
تاريخ الجنوب يجب أن يكون حاضراً في المناهج
إن تعليم تاريخ الجنوب لا يعني تلقين الطالب موقفاً سياسياً واحداً، بل يعني تعريفه بتاريخ المنطقة ومراحلها السياسية والاجتماعية، بما فيها مراحل النضال والتضحيات التي شهدتها.
فالجيل الذي لا يعرف تاريخ مجتمعه يصبح أكثر عرضة لفقدان صلته بماضيه.
ومن واجب المؤسسات التعليمية أن تقدم التاريخ بصورة موثقة ومتوازنة، وأن تمنح الطلاب القدرة على فهم الأحداث وتحليلها، مع احترام اختلاف الآراء السياسية حول مستقبل الجنوب.
علم اليمن لا يلغي ذاكرة الجنوب
يرى مؤيدو القضية الجنوبية أن العلم اليمني لا يمثل هويتهم السياسية الحالية، بينما ترى الجهات الرسمية في اليمن أن رموز الجمهورية اليمنية هي الرموز الرسمية للدولة.
وهذا الاختلاف لا يمكن تجاهله أو حسمه بمجرد منع رمز أو فرض آخر.
بل يحتاج إلى معالجة سياسية وقانونية شاملة، خصوصاً أن قضية مستقبل الجنوب ما زالت جزءاً أساسياً من المشهد السياسي اليمني والإقليمي.
ومن ثم، فإن المدرسة ينبغي ألا تتحول إلى ساحة صراع بين هذه الرؤى، وإنما إلى مساحة يتعلم فيها الطالب تاريخه ويفهم واقعه ويحترم المختلف معه.
المدرسة تبني الإنسان… ولا تمحو الذاكرة
إن حماية العملية التعليمية من الاستقطاب السياسي أمر مهم، لكن حماية التعليم لا تعني محو تاريخ المجتمع أو تجاهل رموزه.
والأصل أن يتعلم الطالب تاريخ بلاده ومجتمعه بكل مراحله، وأن يعرف تضحيات الأجيال السابقة، وأن يفهم أسباب الصراعات السياسية التي مرت بها المنطقة، دون تحريض أو كراهية أو إقصاء.
فالتعليم الحقيقي لا يخشى التاريخ، ولا يخشى الأسئلة، ولا يخشى أن يعرف الطالب الحقيقة من مصادرها المختلفة.
خلاصة القول
العلم الجنوبي والنشيد الجنوبي بالنسبة إلى مؤيديهما رمزان للهوية والذاكرة والتاريخ والتضحيات، ولذلك فإن التعامل معهما يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والمسؤولية.
أما تاريخ نضال شعب الجنوب وتضحيات أبنائه، فينبغي أن يكون حاضراً في وعي الأجيال، وأن يُدرس بصورة موثقة في إطار المناهج والتعليم الوطني، حتى يعرف الطالب من أين جاء مجتمعه، وما الذي مر به، ولماذا ما زالت قضاياه حاضرة حتى اليوم.
فالاختلاف على المستقبل لا ينبغي أن يؤدي إلى إلغاء الماضي، والاختلاف على الرموز لا ينبغي أن يحرم الأجيال من معرفة تاريخها.
بقلم الأستاذ/ زيد بن حريز
رئيس لجنة التعليم العام بالجمعية الوطنية