من الانتهازية إلى محاولة سرقة الانجاز.. حين تتقدم تضحيات الجنوب ويتسابق الإخوان لركوب موجة الانتصار

في كل مرة تشتد فيها المعارك على الأرض، وتُدفع أثمان باهظة في ساحات المواجهة، تظهر إلى الواجهة معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الرواية السياسية، ومن يملك حق نسب الانتصار إلى نفسه. وفي المشهد الجنوبي، تتجدد الانتقادات الموجهة إلى قوى سياسية وحزبية، وفي مقدمتها التيار المحسوب على جماعة الإخوان وحزب الإصلاح، بسبب ما يصفه خصومها بمحاولات الظهور بعد تحقق الإنجازات الميدانية، وتقديمها باعتبارها ثمرة لمشروعها السياسي.
المسألة، وفق هذا الطرح، لا تتعلق بمجرد اختلاف في الخطاب الإعلامي، بل بسؤال أكبر: من دفع ثمن المعارك؟ ومن ظل حاضرًا في خطوط المواجهة؟ ومن يحاول اليوم تحويل تضحيات المقاتلين إلى رصيد سياسي لصالحه؟
ففي جبهات الجنوب، ولا سيما كهبوب والمضاربة ورأس العارة القريبة من باب المندب، شهد سبتمبر 2026 مواجهات متواصلة مع الحوثيين، وأعلنت القوات المسلحه الجنوبيه عن عمليات ميدانية وأسر قيادي حوثي، فيما تحدثت مصادر أخرى عن صد هجمات ومحاولات تقدم في المنطقة.
ومن هنا يبرز الجدل حول ما يصفه منتقدون بـ«الانتهازية السياسية»: قوى لم تكن في صدارة المشهد العسكري، لكنها تسعى، عند بروز نتائج المعارك، إلى الظهور في واجهة المشهد باعتبارها جزءًا أصيلًا من الإنجاز، أو إلى إعادة تقديم المعركة باعتبارها انتصارًا لمشروع سياسي أوسع، متجاهلةً ـ بحسب منتقديها ـ خصوصية التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب وقواته المسلحه الجنوبيه التي تقاتل على الأرض .
وتزداد حساسية هذا الملف عندما يتحول الانتصار العسكري إلى مادة للمزايدة السياسية. فالانتصار في الميدان لا يصنعه البيان الصحفي، ولا يُقاس بعدد التصريحات أو حجم الحملات الإعلامية، وإنما بما يحدث على الأرض من صمود وتضحيات واحتفاظ بالمواقع والتصدي للهجمات. وفي كهبوب، على سبيل المثال، تؤكد مصادر ميدانية وإعلامية استمرار المواجهات ومحاولات الحوثيين التقدم نحو المرتفعات المطلة على باب المندب، مع مشاركة القوات الجنوبية وتشكيلاتها في القتال.
ويقول منتقدو التيار الإخواني إن المشكلة لا تكمن في مشاركة أي طرف في مواجهة الحوثيين، فالمعركة ضد الحوثيين شأن عام، وإنما في محاولة احتكار نتائجها سياسيًا أو تقديم تضحيات الآخرين باعتبارها رصيدًا لحساب طرف لم يتحمل الكلفة ذاتها. ووفق هذا المنظور، فإن احترام المقاتلين يقتضي أولًا الاعتراف بمن خاض المعارك فعليًا، بدل إعادة كتابة المشهد بعد ظهور النتائج.
كما أن الخلاف لا يتوقف عند حدود الإعلام، بل يمتد إلى طبيعة المشروع السياسي الذي يُراد أن تُوظف فيه الانتصارات. فحين يحقق المقاتلون تقدمًا أو يصدون هجومًا، يصبح السؤال المطروح: هل ستذهب هذه النتائج إلى تعزيز أمن المناطق التي دافع عنها أهلها، أم ستتحول إلى ورقة تستخدمها القوى السياسية في مفاوضاتها وحساباتها الخاصة؟
وهنا تكمن خطورة ما يسميه خصوم هذه القوى بـ«سرقة الانتصار». فالمقصود ليس امتلاك أحد لحق معنوي في الاحتفال بالتصدي للحوثيين، وإنما رفض تحويل الدماء والتضحيات إلى سلعة سياسية، أو استخدام الانتصارات الميدانية لتلميع قوى سياسية تبحث عن موقع متقدم في المشهد دون أن تكون قد تحملت الكلفة نفسها.
لقد كشفت السنوات الماضية أن المعركة العسكرية والمعركة السياسية ليستا منفصلتين. فكل تقدم على الأرض يمكن أن يتحول إلى نفوذ على طاولة السياسة، وكل تضحية يمكن أن تصبح ورقة في التفاوض. ولذلك يصر منتقدو هذه الممارسات على أن الاعتراف بالفضل العسكري يجب أن يسبق توظيفه سياسيًا، وأن من وقف في مقدمة الجبهات لا ينبغي أن يجد نفسه في نهاية المطاف متفرجًا على آخرين وهم يقدمون أنفسهم بوصفهم أصحاب الإنجاز. او بركوب الموجه والتسلق على انتصاراتهم
وفي المقابل، فإن من الإنصاف أيضًا عدم اختزال كل القوى السياسية في موقف واحد؛ فهناك قوى وتشكيلات متعددة تشارك في الجبهات الحالية، والتقارير الميدانية نفسها تشير إلى مشاركة تشكيلات مختلفة من القوى الجنوبيه كالقبائل الجنوبيه الى جانب القوات المسلحه الجنوبيه في معارك كهبوب.
لكن جوهر الجدل السياسي يبقى قائمًا: عندما تتحقق الانتصارات بتضحيات المقاتلين، فإن نسبتها يجب أن يكون دقيقًا وواضحًا، بعيدًا عن المبالغة أو إعادة إنتاج الروايات التي تمنح طرفًا سياسيًا فضلًا لم تثبته الوقائع الميدانية.
وبالنسبة إلى الجنوب، يرى أنصاره أن القضية لا تتعلق فقط بمن يرفع راية الانتصار، وإنما بما ستؤول إليه نتائجه. فالتضحيات، وفق هذا التصور، ينبغي أن تُترجم إلى حماية الأرض، وتعزيز الأمن، وتحسين أوضاع السكان، وحضور سياسي يعكس القوى التي تحملت العبء الأكبر في الميدان.
وبذلك تتحول المعركة من مجرد صراع على الصورة الإعلامية إلى اختبار حقيقي للوفاء بالتضحيات: هل يكون الانتصار ملكًا لمن قاتل وضحى، أم يصبح بعد انتهاء المعركة جسرًا تعبر عليه القوى السياسية نحو مكاسب جديدة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي انتصار عسكري هو أن يُمحى دور من صنعه تحت ضجيج الخطابات السياسية. ولذلك فإن توثيق الوقائع، وتحديد المسؤوليات، والاعتراف بتضحيات القوات المسلحه الجنوبيه كقوه فاعله على الأرض ، وعدم منح أي طرف فضلًا لا تثبته الأدلة، تظل شروطًا أساسية حتى لا تتحول الانتصارات العسكرية إلى ساحة جديدة للصراع السياسي.
وفي نهاية المطاف، فإن قيمة أي انتصار لا تُقاس بمن ينجح في نسبه إلى نفسه، وإنما بمن يدفع ثمنه، ومن يحمي نتائجه، وكيف تتحول تضحيات المقاتلين الجنوبيين إلى واقع سياسي وأمني يخدم السكان بدل أن تصبح مجرد مادة في سجالات القوى المتنافسة