السعودية والجنوب: بين وضوح رؤية بمشروع الجنوب السياسي وضمانة الحفاظ على الأرض المحررة

د. أمين العلياني
أثبتت وقائع الحروب وتجارب التاريخ أن انتصار الدول لا يُحسم بالسلاح وحده، وأن الجغرافيا المحررة لا تصبح مكسبًا استراتيجيًا دائمًا ما لم تحرسها إرادة سياسية تؤمن بما تقاتل من أجله؛ فحين يحمل المقاتل مشروعًا واضحًا، تتحول البندقية إلى أداة دفاع عن المستقبل؛ وحين يغيب المشروع، تتحول الحرب إلى استنزاف مفتوح، وتتحول ساحاتها إلى شركات مقاولات سياسية واقتصادية يستفيد منها تجار الحروب أكثر مما يستفيد منها أصحاب الأرض.
ومن هذه الزاوية تحتاج المملكة العربية السعودية إلى إعادة قراءة الجنوب لا بوصفه جغرافيا تحتاج إلى إدارة، بل بوصفه مجتمعًا سياسيًا يمتلك قضية سياسية ومشروعًا وذاكرة نضالية وثمنًا باهظًا من الدماء.
فالجنوب لم يدخل الحرب بوصفه قوة تبحث عن راتب أو نفوذ عابر، وإنما دخلها وهو يحمل مشروعًا سياسيًا يرى فيه استعادة دولته المستقلة كاملة السيادة. ولذلك فإن مشاركته في التحالف العربي الذي قادته الرياض لم تكن خروجًا من مشروعه، بل كانت، في جوهرها، محاولة لحماية أرضه وهزيمة خصمه، مع الاحتفاظ بحقه في أن يكون طرفًا سياسيًا كامل الندية في تقرير مستقبله.
وهنا تكمن المسألة التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج الجبهات: القوات الجنوبية تقاتل بعقيدة مرتبطة بمشروع سياسي، لا بمجرد أمر عسكري، وهذه الحقيقة، بدل أن تُعد مصدر قلق، ينبغي أن تُقرأ بوصفها إحدى أهم ضمانات الانتصار؛ فالمقاتل الذي يعرف لماذا يقاتل، ولأي مستقبل يضحي، أكثر قدرة على الصمود من مقاتل لا يرى في المعركة سوى وظيفة مؤقتة. ولذلك فإن محاولة فصل القوة العسكرية الجنوبية عن مشروعها السياسي تعني، في نهاية المطاف، فصل البندقية عن الدافع الذي يجعل صاحبها مستعدًا لدفع أثمان الحرب.
ومن هنا، فإن السؤال الاستراتيجي أمام الرياض لم يعد: كيف تُدار الحرب في اليمن شمالًا وجنوبًا؟ بل أصبح أكثر عمقًا: كيف يتحول ما تحقق من مكاسب عسكرية وسياسية إلى استقرار دائم لا ينقلب على صانعيه بعد أن تصمت المدافع؟
والجواب عن هذا السؤال مع المتغيرات التي شهدتها السواحل الغربية وباب المندب خلال هذا الأسبوع، حيث أثبتت التطورات أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة امتلاك مفاتيح الأمن فيها، وأن الفراغ السياسي والعسكري قد يكون أخطر من الهزيمة العسكرية نفسها؛ فالجغرافيا البحرية التي تتحكم في أحد أهم ممرات التجارة الدولية لا تحتمل ترتيبات هشة، ولا تحميها إلا قوى محلية تمتلك الإرادة والقدرة والارتباط الحقيقي بالأرض وتكون حاملة عقيدة وطنية ومشروع سياسي يحفظ حقوقها.
ومن هنا، فإن كسب الجنوب سياسيًا ليس تنازلًا سعوديًا، بل يمكن أن يكون مكسبًا استراتيجيًا سعوديًا من الدرجة الأولى؛ لأن الانتقال من محاولة إدارة الجنوب إلى كسبه هو المدخل الأكثر عقلانية لبناء أمن طويل الأمد. والسيطرة الأمنية قد تفرض هدوءًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع ولاءً، أما الشراكة السياسية القائمة على الاعتراف بالمصالح والحقوق، فإنها تستطيع أن تجعل أمن الجنوب جزءًا من أمن المملكة، وأن تجعل حماية باب المندب وخليج عدن والسواحل الجنوبية مصلحة مشتركة لا مهمة مفروضة من طرف على طرف.
إن الرياض لا تحتاج إلى جنوب تابع؛ بل تحتاج إلى جنوب مستقر، قوي، واثق بمستقبله، يرى في استقرار المملكة مصلحة مشتركة، وفي أمن الجزيرة العربية امتدادًا لأمنه الوطني. وهذا لا يمكن أن يتحقق بتأجيل قضية شعب الجنوب إلى نهاية التسوية، ولا بوضعها في هامش المفاوضات، ولا بمحاولة اختزالها في ترتيبات أمنية وإدارية؛ فقضية الجنوب ليست بندًا تقنيًا في اتفاق، وإنما قضية سياسية نشأت من تاريخ طويل، ولا يمكن إطفاؤها إلا بحل سياسي يعترف بجوهرها ويمنح شعبها ضمانات حقيقية بشأن مستقبله.
ولذلك فإن الخطوة الأكثر ذكاءً أمام الرياض هي أن تجعل قضية شعب الجنوب جزءًا من الحل لا عقبة أمامه، وأن تفتح مسارًا سياسيًا واضحًا يتيح للجنوبيين تحديد مستقبلهم عبر ضمانات إقليمية ودولية، بعيدًا عن الإملاء أو الإقصاء أو فرض صيغة سياسية بالقوة تتجاوز إرادة شعبهم.
وفي هذا السياق، يصبح الاعتراف بالقيادة الجنوبية التي تمتلك التفويض الشعبي والحضور السياسي والعسكري ضرورة واقعية لا مجاملة سياسية؛ فالسياسة لا تُبنى على الأمنيات، وإنما على موازين القوة والتمثيل والتأثير، ومن يمتلك الحضور الحقيقي على الأرض لا ينبغي أن يبقى موضوعًا للقرار، بل طرفًا في صناعته.
إن تحويل القيادة الجنوبية من طرف يُراد احتواؤه إلى شريك مسؤول عن الاستقرار الإقليمي يمكن أن يفتح أمام الرياض بابًا أوسع من مجرد تسوية يمنية؛ بابًا لبناء شراكة استراتيجية تمتد من عدن إلى خليج عدن وباب المندب، وتتصل بأمن البحر الأحمر والجزيرة العربية.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث هو التعامل مع القوات الجنوبية بوصفها قوة قابلة للاستخدام ثم الاستغناء عنها؛ فالقوات التي صنعت حضورها في الميدان، ودافعت عن أرضها، وقدمت قوافل من الشهداء، لا يمكن أن تبقى إلى الأبد خارج المعادلة السياسية التي تقاتل من أجلها. وإذا أرادت الرياض لهذه القوات أن تكون شريكًا فاعلًا في مواجهة الحوثيين وحماية الملاحة ومكافحة الإرهاب والتهريب، فعليها أن تمنحها قبل ذلك وضوحًا سياسيًا بشأن موقع قضية شعبهم في التسوية المقبلة.
فلا يمكن أن يُطلب من الجنوب أن يقاتل بلا حدود خارج جغرافيته، ثم يُطلب منه أن يصمت بلا حدود عن مستقبله السياسي؛ لأن المعادلة الأكثر عدلًا واستقرارًا هي أن يكون هناك تلازم بين الدور العسكري والضمانة السياسية وكلما اتسع الدور الذي تؤديه القوات الجنوبية في حماية الأمن الإقليمي، وجب أن يكون واضحًا في المقابل أن هذا الدور لا يعني التنازل عن المشروع السياسي الجنوبي، ولا استخدام القوة الجنوبية لحسم مستقبل سياسي لا يشارك الجنوبيون في صياغته.
وهنا ينبغي للرياض أن تنتقل من الوعود العامة إلى ضمانات سياسية واضحة تتمثل في الاعتراف بعدالة قضية شعب الجنوب، ضمان حق شعب الجنوب في تقرير مستقبله، إشراك ممثليه الحقيقيين في التسوية النهائية، رفض فرض أي صيغة بالقوة، حماية القوات الجنوبية من التفكيك قبل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، وربط الترتيبات العسكرية بمسار سياسي متزامن وملزم.
كما أن تضحيات الجنوب لا ينبغي أن تتحول إلى فاتورة تُدفع في زمن الحرب ثم تُنسى عند كتابة اتفاقات السلام؛ فالشعوب لا تنسى من وقف معها، لكنها لا تنسى أيضًا من استخدم دماء أبنائها ثم تجاوز قضيتها. ولهذا فإن الاستثمار في الجنوب لا ينبغي أن يُختزل في الدعم المالي أو الإغاثي، بل يجب أن يتحول إلى مشروع تنموي واستراتيجي يعيد بناء المؤسسات، ويعزز الاقتصاد، ويدعم التعليم والصحة والبنية التحتية، ويفتح المجال أمام الكفاءات الجنوبية، ويعالج الاختلالات التي تغذي الاحتقان؛ فالاستقرار الذي لا يرافقه اقتصاد منتج وخدمات ومؤسسات عادلة سيظل استقرارًا هشًّا قابلًا للانفجار.
والأهم من ذلك كله أن تدرك الرياض أن أمن السعودية يبدأ من استقرار جيرانها، وأن استقرار الجنوب يمثل جزءًا أصيلًا من منظومة أمن الجزيرة العربية؛ فلا أمن مستدامًا للمملكة في اليمن من دون جنوب مستقر، ولا جنوب مستقرًا من دون تسوية سياسية تمنح شعبه الثقة بمستقبله.
وهنا يمكن أن تولد معادلة جديدة أكثر واقعية من معادلات الماضي:
جنوب آمن = حدود سعودية أكثر أمنًا، وجنوب مستقر = باب مندب أكثر أمنًا، وشريك جنوبي موثوق = نفوذ إقليمي أكثر استدامة، واعتراف سياسي عادل = تحالف قابل للحياة بعد الحرب.
إن الانتصار الذي ينبغي أن تبحث عنه الرياض ليس مجرد إضعاف الحوثي في جبهة، أو استعادة موقع في جغرافيا متنازع عليها، وإنما بناء منظومة ما بعد الحرب: خصم مهدد بالأمن الإقليمي وقدراته مقيدة، وجنوب مستقر، وباب مندب آمن، وحدود سعودية محصنة، وتسوية سياسية قابلة للحياة، وشريك جنوبي موثوق لا يرى في الرياض وصيًا على مستقبله، بل شريكًا في حماية المصالح المشتركة. وهنا يصبح الفرق واضحًا بين الانتصار في الحرب والانتصار بعد الحرب؛ فالرياض تستطيع أن تكسب معركة بالسلاح، لكنها لن تضمن نتائجها إلا بالسياسة. وتستطيع أن تحمي أرضًا بالقوة، لكنها لن تحافظ عليها طويلًا من دون أصحاب مشروع يؤمنون بحمايتها. وتستطيع أن تبحث عن حلفاء مؤقتين، لكنها لن تجد ضمانة أقوى من شعب يرى أن مصالحه ومستقبله السياسي يتقاطعان مع مصالح حليفه.
ولهذا فإن الجنوب، بقضيته العادلة ومشروعه السياسي وقواته التي تحمل عقيدة وطنية، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه عبئًا على الاستراتيجية السعودية، بل بوصفه إحدى ضماناتها المحتملة؛ فالجنوب الذي يشعر أن قضيته محترمة، وأن دماء شهدائه مصانة في الذاكرة السياسية، وأن قيادته حاضرة في صناعة القرار، وأن قواته ليست مجرد أداة في حروب الآخرين، يمكن أن يتحول من ساحة نفوذ إلى حليف استراتيجي طويل الأمد.
أما محاولة بناء الاستقرار عبر احتواء قضية شعب الجنوب، أو تجاوز القيادة، أو إضعاف القوات، أو تأجيل الحق السياسي إلى أجل غير مسمى، فقد تنتج هدوءًا عابرًا، لكنها لن تنتج ولاءً، ولن تصنع أمنًا مستدامًا.
إن الخيار الأذكى أمام الرياض ليس أن تقول للجنوب: قاتلوا من أجل أهدافنا؛ بل أن تقول له بوضوح سياسي لا يحتمل التأويل:
نحترم قضيتكم، ونقر بحقكم في تقرير مستقبلكم، ونحفظ تضحياتكم، ونريدكم شركاء في حماية أرضكم وباب المندب وأمن الجزيرة العربية، وعندها فقط يمكن أن تتحول قضية شعب الجنوب من عقدة في معادلة الحرب إلى مفتاح للانتصار الاستراتيجي بعد الحرب، ومن عبء تفاوضي إلى رصيد إقليمي، ومن جغرافيا محررة إلى جغرافيا محمية بإرادة أهلها ومشروعهم السياسي.