حين تُستدعى قوات الجنوب إلى الحرب كضرورة، وتُستبعد إرادة شعبها كخيار في تقرير المصير

بقلم / د. أمين العلياني
تبدأ الحكاية من مفارقةٍ لا تخطئها عين: ففي الجنوب مواطنٌ منهك يطارد راتبًا تتآكل قيمته، ويبحث عن كهرباءٍ لا تنقطع، ويعيش تحت ضغط اقتصادٍ يزداد قسوةً وخدماتٍ تتراجع يومًا بعد يوم، وفي الوقت نفسه، تُفتح أمام القوات الجنوبية المسلحة أبواب جبهاتٍ جديدة، ويُطلب منها أن تحمل السلاح خارج حدوده. وما بين البيت الذي ينتظر الضوء والجبهة التي تنتظر المقاتل، يقف السؤال الجنوبي الكبير: كيف عجزت رعاة الحرب عن إدارة أبسط تفاصيل الحياة في محافظات الجنوب التي تستمد الحكومة من أرضها المحررة شرعيتها، بينما تجد القدرة على إدارة اتساع الحرب؟
ومن هنا لم يعد الغضب الشعبي الجنوبي المتصاعد يوميًّا مجرد رد فعل على انقطاع الكهرباء أو ارتفاع الأسعار؛ لقد تجاوز ذلك إلى سؤالٍ أعمق يسأل عن طبيعة القرار، ومن يملكه، ومن يدفع ثمنه. فحين تتراكم الأزمات، ويتحول الوعد إلى انتظار، والانتظار إلى خيبة، تبدأ إرادة هذا الشعب في اكتشاف أن المشكلة ليست دائمًا في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة التي تجعل الحل أولوية، وهنا معها ينتقل السؤال من وظيفته الخدمية إلى سؤال ذي بعد سياسي واضح، يجعل من الراتب والكهرباء والأمن مدخلًا إلى سؤال أكبر: من يدير الجنوب، ولمن تُرتب أولوياته؟ فهنا تتراءى مع الإجابة عن هذه التساؤلات من أن الحكومة ما هي إلا مجرد وظيفة إرادية مسلوبة من صنع قرار الحلول بفعل الوصاية التي صارت تتحكم بكل تفاصيل قرارها.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز حدة الحرب الجديدة وتتصاعد ضد الحوثيين؛ فإذا كانت هذه الحرب قرارًا سياسيًّا، فمن يملك قرار استمرارها؟ ومن يملك حق إيقافها؟ ومن يحدد السقف الذي تتوقف عنده القوات الجنوبية؟ إن أخطر ما في الحرب ليس عدد الجبهات، بل أن تدخل القوات الجنوبية معركةً مفتوحة لا تعرف سقفها السياسي، ولا حدودها الزمنية، ولا شكل النهاية التي تنتظرها؛ فالمقاتل الجنوبي يستطيع أن يتقدم، لكنه لا يستطيع أن يمنح الحرب معناها السياسي؛ لأن البندقية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تجيب عن سؤال: ماذا بعد الانتصار؟
وهنا تظهر المفارقة في المشهد جنوبًا بكل حدتها في صيغة أسئلة: لماذا يُطلب من القوات الجنوبية أن تتقدم إلى الشمال، بينما تبقى في الجنوب قوات عسكرية متعددة بين طوارئ وفصائل أخرى؟ ولماذا يُطلب من الجنوب أن يحمل عبء جبهاتٍ جديدة، بينما لا تزال جبهته الداخلية تواجه تحديات الأمن والاقتصاد والخدمات؟ وهنا تصبح المسألة ليست رفضًا للقتال ضد الحوثي بحد ذاته، بل رفضٌ؛ لأن تتحول القوات الجنوبية إلى موردٍ بشري دائم لحربٍ لا يملك الجنوب وحده قرارها، ولا يعرف ما سيعود عليه منها سياسيًّا من مكاسب على عدالة قضيته السياسية في استعادة الدولة.
ومن هذه الزاوية أصبح الجنوب اليوم، في نظر إرادة الشعب ونخبه السياسية، مطلوبًا منه بسرعة عندما يتعلق الأمر بالحرب، ومطلوبًا منه الصبر عندما يتعلق الأمر بالحل السياسي لقضيته، وعند الحاجة إلى المقاتل يقال إن الوقت لا يحتمل التأجيل، وعند الحديث عن قضية الشعب السياسية يقال إن الظروف لا تسمح بحسمها إلا عبر حوار تهندسه الرياض وتريده في مجالس تنسيقية عبر فئات مجتمعية على حساب إرادة الشعب، وعند فتح الجبهة تصبح المشاركة واجبًا عاجلًا، وعند توزيع الاستحقاقات يصبح المستقبل مؤجلًا إلى ما بعد التسوية. وهكذا تتشكل أخطر معادلة، وهي أن يصبح دم الجنوب حاضرًا في الحرب، لكن حقه في تقرير مستقبله يبقى معلقًا في السياسة بتسويات تُفصل في صيغة حوارات بين مجالس تنسيقية ومكونات متناقضة في الرؤية على شكل الدولة وتصبح تلك الرغبات المتمثلة متجاوزة لإرادة الشعب وعندما تختلف تلك الرغبات في رؤية الحل حول مستقبل الجنوب تصبح تلك الإرادة هي الحكم في فصل التهوان الحواري المفضوح سلفًا.
وهنا ينبغي أن نذكّر كل المتسابقين على تزوير إرادة الشعب سلفًا أن التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، لكنه يعيد أسئلته بقسوة أكبر؛ فالانتصار العسكري لا يتحول تلقائيًّا إلى مكسب سياسي، وما لم تكن القوة التي تقاتل قد حددت مسبقًا موقعها من نتائج الحرب، فإنها قد تجد نفسها، بعد أن تصمت البنادق، أمام طاولةٍ يقرر عندها آخرون مصير ما حققته. ولذلك فإن السؤال ليس: هل يستطيع الجنوب أن ينتصر؟ بل: هل يعرف الجنوب كيف يحمي انتصاره من الضياع السياسي الذي يُهندس له بتمويل مقصود كي يصبح ما يقرر عبر مجالس المحافظات من مآلات تريد الرياض أن تجعل عدالة مشروعه التحرري يقتل بأيديكم؟
ومن هنا تتعمق المفارقة عندما تُقرأ حسابات القوى الإقليمية، فإذا كانت الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية الأخيرة لا ينبغي ولا تستفز، بحسب الموقف السعودي، أن تفرض على المملكة توقيت الحرب، فلماذا أصبحت تحركات القوات الجنوبية داخل أرض الجنوب في يناير موضع حساسية وجدال واسع؟ وهنا يتبين أن الخطر لا يُقاس دائمًا بحجم الرصاص، بل بحجم التغيير الذي يمكن أن تصنعه القوة على الخريطة السياسية؛ فالهجوم الحوثي يمثل تهديدًا أمنيًّا يُدار بمنطق الردع والحسابات العسكرية، أما تحرك قوة جنوبية داخل مناطق الجنوب فيرتبط، في نظر قوى الوصاية، بسؤال أكثر تعقيدًا: من يملك الأرض؟ ومن يملك القرار؟ ومن يرسم شكل التسوية القادمة؟
ومن هنا تنشأ المفارقة التي يصعب تجاهلها، وهي حين يُطلب من الجنوب أن يكون قوةً حاسمة عندما تكون الحرب خارج أرضه، لكنه يصبح قوةً مقلقة عندما يتحرك لتثبيت حضوره داخل أرضه لكي يضمن محددات الأرض في معيار الحل الذي يلبي طموحات وتطلعات الشعب. وهذه الازدواجية التي مارستها وما زالت تمارسها الرياض هي التي جعلت الخطاب الشعبي الجنوبي اليوم يرتفع في حدة الرفض للوصاية وتصبح ذات أبعاد أعمق من مجرد شعارات سياسية؛ فالشعب الجنوبي لا يعترض على الخارج لأنه خارجٌ فقط، بل لأنه يشعر بأن القرار الذي يحدد مستقبله لا ينبغي أن يُصنع في مكانٍ آخر، ثم يُطلب منه أن يدفع ثمن تنفيذه. ومن هذا المنظور يصبح السؤال واضحًا: إذا كان الجنوب مطالبًا بالمشاركة في كل معركة ضد الحوثي خارج حدوده، فلماذا لا يكون شريكًا كاملًا في تحديد السلام الذي تنتهي إليه تلك المعارك؟
وبهذا يصبح الخطر الحقيقي ليس في الحرب وحدها، بل في أن تُستنزف القوات الجنوبية في جبهاتٍ متحركة، بينما يجري في الداخل ترتيب خرائط النفوذ ومستقبل السلطة على ثمن تضحياته وعلى غير إرادة شعبه؛ فالقوة التي تخرج من أرضها ينبغي أن تعرف من يحمي هذه الأرض أثناء غيابها، ومن يمنع الفراغ الذي يمكن أن تتركه، ومن يضمن أن ما يحدث في الداخل لن يُستخدم لاحقًا لتغيير موازين القوة على حسابها.
ولهذا فإن الأولوية التي ينبغي أن تفهمها القوى الجنوبية المتماهية مع مسار الرياض بلا رؤية ألا تكون مختصة في إدارة المعركة العسكرية وحدها، بل عليها أمانة إدارة العلاقة بين الحرب والسياسة حتى لا تتحول الأمانة إلى خيانة؛ لأن لا حرب بلا هدف سياسي واضح، ولا مشاركة بلا سقف محدد، ولا تضحية بلا ضمانة تحول الدماء إلى مكسب يحفظ حق الجنوب، والقوة التي لا تملك تفسيرًا سياسيًّا لمهمتها، ولا تعرف شروط النهاية، قد تتحول، مهما كانت بطولاتها، إلى قوةٍ تقاتل في مشروع يحدد الآخرون بدايته ونهايته. والجنوب اليوم لا يحتاج إلى أن يثبت مرة أخرى أن أبناءه قادرون على القتال؛ فقد أثبتوا ذلك بما يكفي، بل ما يحتاج إليه اليوم هو أن يثبت أن القوة التي صنعت حضورها في الميدان يجب أن يكون لها حضور مماثل في القرار؛ فالجنوب ليس خزانًا بشريًّا يُفتح عند اشتعال الحروب ويُغلق عند توزيع الحقوق السياسية، وليس قوةً عسكرية تُستدعى إلى الجبهات ثم يُطلب منها الانتظار عند أبواب السياسة.
وإذا كان الجنوب شريكًا بما يكفي لدفع ثمن الحرب، فهو شريك بما يكفي لتحديد شروط السلام، وإذا كانت دماء أبنائه مطلوبة لصناعة الانتصار، فإن إرادتهم يجب أن تكون حاضرة لصناعة ما بعد الانتصار؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخوض الجنوب حربًا جديدة، بل أن يخرج منها منتصرًا في الميدان، ثم يكتشف أن آخرين كتبوا نهاية الحرب، وحددوا ثمنها، ورسموا مستقبل الجنوب من دون أن يكون الجنوب شريكًا في كتابة السطر الأخير. وهنا تتجلى الخيانة التي تطبخها الرياض بأيدي جنوبية تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي ومن خلال أسماء مجالس تنسيقية ومكونات كرتونية وفئات مجتمعية كلها بولاءات حزبية مشتتة تريد أن تتجاوز إرادة شعب الجنوب التي تعتقد في النهاية أن تلك الإرادة هي قول الفصل في خلاف المشاريع وتوجهاتها التي تمثلها تلك المجالس ومكوناتها وفئاتها التنسيقية.