الجيش السوداني يتحدى مجلس الأمن ويدفع بالحرب نحو دول الجوار

أعلن رئيس هيئة أركان القوات المسلحة السودانية، الفريق أول ياسر العطا، أن الجيش يستعد لهجمات واسعة من محاور متعددة، مؤكداً أن مجلس الأمن الدولي وأي دولة أخرى لن تتمكن من وقف عملياته، في خطاب يعكس تمسك قيادة الجيش بالخيار العسكري رغم الدعوات الدولية إلى وقف القتال.
وقال العطا، خلال مخاطبته حشداً من قوات الاحتياط في غرب أم درمان، إن الأيام المقبلة ستشهد تحركاً عسكرياً كبيراً، مضيفاً أن القوات ستهاجم «جواً وأرضاً» ومن اتجاهات عدة، وأن «السماء مليانة»، في إشارة إلى حجم النشاط الجوي الذي تستعد له القوات المسلحة، وفق ما ورد في الخطاب.
وتثير هذه التصريحات تساؤلات حول حجم القدرات الجوية التي بات الجيش يعتمد عليها، ولا سيما الطائرات المسيّرة، ومصادر المعدات والتقنيات والذخائر المستخدمة في العمليات. ويربط مراقبون ذلك بتزايد الحديث عن الدعم العسكري الخارجي لطرفي الحرب، في وقت تتحرك فيه واشنطن لتوسيع القيود الدولية على تدفق السلاح.
وجاء خطاب العطا بعد أيام من طرح الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن الدولي مقترحاً لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل أنحاء السودان كافة، مع تضمين الطائرات المسيّرة ومكوناتها والتقنيات المرتبطة بها.
وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، خلال جلسة لمجلس الأمن في 24 أغسطس، إن الدعم المالي والعسكري والسياسي الخارجي لطرفي النزاع يمثل أحد المحركات الأساسية لاستمرار الحرب، داعياً إلى تشديد العقوبات وتوسيع حظر الأسلحة لدفع الطرفين نحو التفاوض.
وفي هذا السياق، تحمل عبارة العطا بأن مجلس الأمن «لن يستطيع» إيقاف الجيش رسالة تحدٍّ واضحة للضغوط الدولية الرامية إلى الحد من تدفق السلاح ووقف العمليات العسكرية. كما تكشف استمرار الرهان داخل قيادة الجيش على الحسم الميداني بدلاً من التوصل إلى هدنة أو تسوية سياسية.
ولا يقتصر التصعيد الذي يعكسه خطاب العطا على الأراضي السودانية. فقد أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التشادية في 20 أغسطس أن طائرات ومسيّرات تابعة للقوات المسلحة السودانية أو لقوات متحالفة معها لاحقت قافلة مركبات وقصفتها داخل مقاطعة إنيدي الشرقية، على مسافة تزيد على 100 كيلومتر من الحدود السودانية.
وأدانت تشاد ما وصفته بـ«انتهاك جديد» لأراضيها، ورفعت قواتها إلى أعلى درجات التأهب، محذرة أطراف الحرب السودانية من نقل العمليات إلى داخل أراضيها، ومؤكدة احتفاظها بحق الدفاع عن سيادتها وأمنها. كما أدانت الولايات المتحدة الضربات المنسوبة إلى الجيش السوداني داخل تشاد، وطالبت بوقف العنف داخل السودان وخارجه.
ورغم نفي وزارة الخارجية التابعة لسلطة بورتسودان استهداف الأراضي التشادية، فإن بيان الجيش التشادي ورفع حالة التأهب على الحدود أعادا إلى الواجهة مخاوف اتساع الحرب إلى دول الجوار.
وسبق للعطا أن أطلق تهديدات ضد مطارات ومنشآت في دول مجاورة، بينها تشاد. ويضع هذا الموقف، إلى جانب الحديث عن هجمات جوية وبرية واسعة، التصعيد الإقليمي ضمن المخاطر المرتبطة باستمرار الحرب السودانية.
ويرى القيادي المدني خالد عمر يوسف، في حديث سابق إلى «سكاي نيوز عربية»، أن تهديدات العطا تعكس توجهاً تصعيدياً لدى قيادة الجيش والجماعات الإسلامية المتحالفة معها، محذراً من أن نقل القتال إلى دول الجوار قد يدفع المنطقة إلى مواجهات مفتوحة.
وقال خالد عمر إن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يطيل أمد الحرب أملاً في أن تنتهي بمنحه موقعاً في السلطة، معتبراً أن القوى المرتبطة بالنظام السابق ترى في استمرار القتال وسيلة لاستعادة نفوذها وإقصاء القوى المدنية وتعطيل الانتقال الديمقراطي.
وتتزامن هذه المواقف مع استمرار المبادرات السياسية التي يطرحها البرهان وسلطة بورتسودان. ويرى منتقدون لقيادة الجيش أن خطاب العطا العسكري يتناقض مع الحديث عن الحوار، خصوصاً مع استمرار التحشيد للعمليات ورفض الضغوط التي تستهدف وقف القتال.
وفي المقابل، تتفاقم الكلفة الإنسانية للحرب. وقالت منظمة أطباء بلا حدود، في تقرير نشرته في الأول من سبتمبر، إن جنوب كردفان أصبح إحدى الجبهات الرئيسية للقتال، وإن تبدل خطوط المواجهة واستمرار العمليات يدفعان مزيداً من الأسر إلى النزوح، وسط نظام صحي هش ومخاطر متزايدة لتفشي الأمراض خلال موسم الأمطار.
وأفادت المنظمة بأن مدينة أبو جبيهة في جنوب كردفان تستضيف 57,880 نازحاً موزعين على 62 موقعاً، معظمهم من النساء والأطفال، فيما يعيش بعض النازحين في خيام لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة. ومنذ يونيو، قدمت المنظمة أكثر من مليون لتر من المياه، إلى جانب خدمات لمكافحة الملاريا وسوء التغذية ورعاية الأمهات ودعم حملات التطعيم والطوارئ.
بينما تستعد القوات، بحسب العطا، لهجمات جديدة من الجو والبر، تواصل الحرب دفع المدنيين إلى النزوح وتعميق الأزمة الصحية والإنسانية. ومع انتقال عمليات منسوبة إلى الجيش إلى الأراضي التشادية، يتجاوز خطر التصعيد حدود المواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ليهدد بتوسيع دائرة الحرب داخل الإقليم.