البناء المؤسسي في دولة الجنوب العربي إرث لا يسقط بسقوط الأشخاص

كتب/ الشيخ لحمر بن علي لسود
هناك حقيقة تاريخية لا ينبغي أن نتجاوزها ونحن نتحدث عن دولة الجنوب العربي، على مختلف المراحل والظروف؛ فلم يكن الجنوب يومًا مجرد جغرافيا أو تجمعًا من القبائل والمناطق، بل كان دولة لها نظام، ومؤسسات، وقانون، وإدارة تعرف معنى الدولة وتتعامل معها باعتبارها منظومة، لا باعتبارها أشخاصًا.
عندما رحل الاستعمار البريطاني، لم يبدأ الجنوب العربي من العدم، بل كانت هناك مؤسسات وأجهزة إدارية وقواعد للعمل ونظام للدولة، وانتقلت مسؤولية إدارة البلاد إلى أبناء الجنوب، فحافظوا على ما هو قائم وطوّروه، وبنوا عليه مؤسسات الدولة الجديدة التي سادها الأمن والاستقرار.
وفي مراحل مختلفة من تاريخ الجنوب، نعترف بأنها شهدت صراعات سياسية وأحداثًا دامية، وقد يسقط هذا القائد أو يُقصى ذاك، لكن الموظف يذهب إلى عمله، والمرفق يؤدي وظيفته، والإدارة تستمر، والقانون يبقى مرجعًا؛ لأن الدولة كانت أكبر من الأشخاص والرموز القيادية.
وهذا الإرث لم ينتهِ بانتهاء دولة الجنوب السابقة، بل انتقل من جيل إلى جيل، وتوارثه أبناء الجنوب باعتباره ثقافة دولة ونظام وقانون، حتى جاء المجلس الانتقالي الجنوبي، في سياقه السياسي والتنظيمي، ليؤسس هيئاته ودوائره على مفهوم العمل المؤسسي والتسلسل الإداري وتوزيع المسؤوليات.
ولذلك، عندما ننظر اليوم إلى دوائر وهيئات المجلس الانتقالي الجنوبي، فإننا لا نتحدث عن ثقافة تنظيمية وُلدت بالأمس، وإنما عن امتداد لإرث مؤسسي يعرفه أبناء الجنوب ويمارسونه منذ عقود: مسؤوليات محددة، وتسلسل إداري، ولوائح، وهياكل، ومؤسسات، وآليات لاتخاذ القرار.
ولعل أوضح اختبار لهذا الأمر ما تعرض له المجلس الانتقالي الجنوبي في مطلع يناير 2026م، عندما استهدفت الضربة رأس الهرم السياسي والعسكري للمجلس، في ظرف كان يمكن أن يؤدي، في أي تنظيم يقوم على الأشخاص، إلى انهيار أجزاء واسعة من المنظومة.
لكن ما حدث كان مختلفًا؛ فقد ظلت مؤسسات وهيئات المجلس قائمة وصامدة، واستمرت في أداء أدوارها ومسؤولياتها، ولم تتوقف المنظومة بمجرد إصابة رأس الهرم.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة البناء المؤسسي.
إن ثبات هيئات المجلس في مثل تلك الظروف لم يكن صدفة، ولم يكن نتيجة ظرف عابر، بل هو انعكاس لبناء يقوم على المؤسسة وتوزيع المسؤوليات واستمرارية العمل، وهو في جوهره امتداد لذلك الإرث الجنوبي في بناء الدولة والنظام والقانون.
فالمؤسسة الحقيقية لا تتوقف برحيل شخص، ولا تنهار بغياب قائد، لأن الأشخاص يتغيرون، بينما تبقى اللوائح والهياكل والمسؤوليات وآليات العمل.
وهنا يصبح من الضروري أن نسأل السؤال الآخر، بكل وضوح: ماذا كان موقع النظام والقانون في الدول والحكومات المتعاقبة التي حكمت صنعاء؟ هل كان القانون هو المرجعية الفعلية للحكم؟ أم أن الدولة كانت تُدار في كثير من مراحلها بمنطق آخر؟
فإذا نظرنا إلى أكثر من ألف عام من تاريخ الحكم في صنعاء، فلن نجد ــ وفق هذا المنظور ــ تجربة متصلة ومستقرة لبناء دولة حديثة قائمة على مؤسسات الدولة بمعناها المؤسسي؛ بل ظلت أنماط الحكم في مراحل عديدة تقوم على الأعراف، والولاءات، والتحالفات القبلية، والمصالح المناطقية، وموازين القوة، أكثر مما تقوم على مؤسسات مستقلة وقواعد قانونية راسخة تحكم الجميع.
وحتى ما سُمّي بثورة 26 سبتمبر 1962م، والتي قادها عبدالله السلال، لم يؤسس ــ في جوهر بنية الدولة ــ لقطيعة كاملة مع تلك الثقافة؛ فقد كان التغيير في رأس السلطة وشكل الحكم، بينما بقيت كثير من أدوات التفكير السياسي والاجتماعي القائمة على الولاءات والقوة والنفوذ حاضرة، واستمرت بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا.
ولهذا فإن المشكلة لم تكن في تغيير الأشخاص فقط، وإنما في تغيير فكر الدولة وآليات بنائها.
فحين يكون النظام قائمًا على الشخص وشبكة علاقاته وتحالفاته، فإن سقوط الشخص يهز المنظومة بأكملها.
وهذا ما رأيناه بوضوح عند سقوط علي عبدالله صالح؛ إذ لم يسقط شخص فحسب، بل تفككت شبكة واسعة من التحالفات الحزبية والقبلية والمناطقية التي قامت حوله، واهتزت معها أجزاء كبيرة من منظومة الحكم التي ارتبطت به، حتى أصبحت تلك الدولة في صورتها السابقة أثرًا بعد عين.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين نموذجين:
هناك من يبني مؤسسة تحكمها اللوائح والقوانين، وهناك من يبني منظومة يحكمها الأشخاص. الأولى تستمر بعد رحيل قادتها، والثانية تبدأ بالتفكك عندما يغيب صاحب القرار.
وهذه ليست مسألة تفاخر بتاريخ أو انتقاص من أحد، وإنما فرق في الثقافة السياسية والإدارية وفي مفهوم الدولة ذاته.
فالجنوب، بما يحمله أبناؤه من إرث مؤسسي، لم يكن بحاجة إلى اختراع مفهوم الدولة من جديد؛ فقد عرف الدولة والنظام والقانون، وتوارث أبناؤه هذه الثقافة جيلًا بعد جيل.
ولهذا، فإن ما نراه اليوم من تماسك مؤسسات المجلس الانتقالي في مواجهة الأزمات ليس أمرًا طارئًا، وإنما هو انعكاس لذلك الإرث.
قد يسقط الرأس، وقد يغيب القائد، وقد تتغير الوجوه، والرموز لكن المؤسسة التي تأسست على النظام والقانون لا تسقط بسقوط الأشخاص.
أما المؤسسة التي لم يكن النظام والقانون فيها إلا شعارًا، فإنها تكتشف عند أول اختبار أن ما كانت تسميه “دولة” لم يكن في الحقيقة سوى شبكة من الأشخاص والولاءات.
نحن في الجنوب العربي لا ندّعي اليوم أننا نتعلم معنى الدولة لأول مرة؛ نحن نستعيد إرثًا مؤسسيًا متجذرًا في تاريخنا، ونحاول أن نبني عليه دولة جنوبية حديثة، يكون فيها القانون فوق الأشخاص، والمؤسسة فوق الفرد، والقرار فوق الولاءات الضيقة.
وهذا هو الفرق بين من يرث ثقافة الدولة، ومن ورث فقط أدوات السلطة.